تشير فكرة الاتساع الكوني الهائل والمخيف إلى مدى ضياع الإنسان في كون لا تحدّه حدود ولا كواكب، وهي تتقاطع مع معتقدات دينية غنوصية قديمة ترى أن هذا الاتساع يعكس المسافة التي أُزيح إليها البشر بعيداً عن أصلهم الإلهي وعالمهم النوراني، وكيف قُذفوا في كون مظلم يُوصف في الأدبيات الغنوصية بأنه عالم الظلمات الذي صنعته قوى وضيعة وشريرة.
رواية «الغريب» وتجسيد العبث
من أبرز الأعمال الروائية التي تناولت الاغتراب رواية «الغريب» للفرنسي ألبير كامو، التي تجسّد فلسفة العبث وتُظهر الإنسان مغترباً وتائهاً في عالم خالٍ من المعنى. يظهر البطل في حالة اغتراب روحي لأنه يدرك عبثية الوجود، وسط عالم لا يفهمه.
في الموروث الغنوصي، تُنظر إلى الروح البشرية باعتبارها كائناً غريباً أُلقي بها في وجود لا تنتمي إليه، وتشعر باستمرار بنوع من النفي عن الوطن الأصلي الإلهي (عالم النور) الذي تنتمي إليه. بطل الرواية، اللامنتمي والغريب ليس فقط عن مجتمعه بل عن وجوده كاملاً، ينظر إلى العالم والحياة بصفتهما منظومة غريبة لا يفهم عبثيتها، لأنه ينتمي إلى عالم آخر. لذلك يُمكن القول إن اختيار المؤلف للعنوان كان مقصوداً، ويؤكد كيف أن كثيراً من الأساطير الغنوصية القديمة استمرت في التأثير على العقلية الأوروبية حتى وقت قريب.
الاغتراب والضآلة الوجودية
نشأ مفهوم الاغتراب في الفكر الأوروبي نتيجة إحساس بالضآلة الوجودية، عندما أدرك الإنسان أن مجرة درب التبانة ليست سوى حبة رمل في كون يتكون من مليارات المجرات. عزز هذا الاتساع لدى الشعوب الأوروبية الإحساس بالعبث، فكان الأدب الوجودي في أوروبا يعكس هذا الإحساس في مواجهة المجهول والكون الواسع. ففي بعض الثقافات الأوروبية القديمة، يُنظر دائماً إلى العالم الأرضي بوصفه عالماً مادياً تحكمه قوى شريرة، يقابله العالم العقلاني النوراني ذو الأصل الإلهي.
في التراث الغنوصي، يحكم العالم الأرضي كائنات شيطانية تُسمى «الأراكنة»، وهي كائنات روحية دنيئة وخبيثة تسيطر على العالم المادي المرئي والمحسوس، وتسجن الروح داخل الجسد والكون المادي. التحرر منها يتم عن طريق الغنوص، أي المعرفة الباطنية لأصل النفس الإلهي. فمن خلال المعرفة الباطنية السرية يمكن للنفس البشرية المرور عبر حراس الأكوان الأشرار، وتجاوز أوهام العالم المادي لتصل إلى المصدر الإلهي الأول.
التقاطع بين الوجودية والغنوصية
الشعور بـ«الاغتراب» الذي يمثل حجر الأساس في الأدب الوجودي، منبعه أن الإنسان يطلب المعنى من كون مادي آثم بامتياز، يُصوَّر كنظام مغلق ميكانيكي وضخم بلا معنى، يقف صامتاً ومحايداً، ضاغطاً بماديته أمام رغبة الإنسان في الفهم والتحرر. وهنا نلاحظ وجود تقاطعات بين الأفكار التي يطرحها أدباء الوجودية والتراث الغنوصي، تؤكد أن الوجودية ليست إلا نسخة محدثة للغنوصية القديمة.
ويمكن ملاحظة هذه التقاطعات بشكل أكثر وضوحاً عند فيلسوف الوجودية الألماني مارتن هايدجر وفكرته حول «القذف في العالم» (Geworfenheit). القذف هنا حقيقة وجودية أولية يعيشها الإنسان، تشبه الفكرة الغنوصية التي تصوِّر وجودنا بأنه سقوط من العالم الإلهي عالم النور إلى ظلمة العالم المادي الموحش. وهايدجر يعتقد أن الإنسان قُذف في العالم وانغمس في حياته اليومية، وهي حالة من الوجود غير الأصيل، حيث ينسى الإنسان حقيقة وجوده ومصيره.
كامو وهايدجر لا يكرران أفكار الغنوصية بشكل حرفي أو يقتبسان بشكل مباشر منها، ولكن هناك صدى وتأثيراً غنوصياً واضحاً. فبعض العناصر التي تظهر في الفكر الوجودي المعاصر، وأبرزها شعور الإنسان المعاصر بأنه غريب في عالم لا يمنحه معنى جاهزاً، تشابه موضوعات غنوصية قديمة.





