ارتفاع عدد السجناء ونسبة الإشغال
ذكر رئيس الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية الحسين بوشيبة أن عدد السجناء زاد بنحو عشرة آلاف خلال أربع سنوات، منتقلاً من حوالي ثلاثة وعشرين ألفاً إلى نحو ثلاثة وثلاثين ألف سجين، بينما لا تتجاوز طاقة الاستيعاب سبعة عشر ألفاً، مما يرفع نسبة الإشغال إلى نحو تسعين وأربعة بالمئة، أي ما يقارب ضعف القدرة الاستيعابية. وأضاف بوشيبة أن هذا الارتفاع يكشف عن أزمة هيكلية في المنظومة السجنية، مشيراً إلى أن آخر تحديث للبيانات المنشورة على الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للسجون والإصلاح يعود إلى الحادي والعشرين من فبراير عام 2021.
وأكد رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب فتحي جراي في مؤتمر صحفي في مايو/أيار الماضي أن السجون التونسية شهدت خلال العامين الأخيرين اكتظاظاً غير مسبوق، وأشار إلى نفس الأرقام بخصوص الزيادة والسعة.
التحذيرات الصحية والحقوقية
حذر بوشيبة من أن الاكتظاظ يؤدي إلى تدهور ظروف الإقامة، وزيادة الضغط على الخدمات الصحية والنفسية، وصعوبة توفير النظافة والتهوية والمساحات الضرورية للسجناء، فضلاً عن زيادة الأعباء على العاملين واحتمالات التوتر والعنف. وأشار إلى أن الوضع قد يزداد سوءاً خلال الصيف، موضحاً تسجيل وفيات قال إنها ناجمة عن الظروف القاسية، لا سيما بين المرضى وكبار السن، إلى جانب تأثر برامج التعليم والتأهيل وإعادة الإدماج. وتساءل: «هل تتناسب سياسة اللجوء إلى السجن مع قدرة المنظومة على الاستيعاب والإصلاح وإعادة الإدماج؟» وشدد على ضرورة نشر إحصائيات محدثة وشفافة بشأن أعداد السجناء والطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية.
ورأى بوشيبة أن محدودية الإمكانيات لا تبرر تعطيل القانون أو العدالة، لكن إنفاذ القانون لا يعني بالضرورة اللجوء إلى السجن في جميع الحالات. ورأى أن الحل يكمن في ترشيد السياسة الجزائية، عبر توسيع العقوبات البديلة، وتسريع البت في القضايا، واحترام الآجال المعقولة للمحاكمة، إلى جانب تحسين ظروف الاحتجاز وتعزيز برامج التأهيل وإعادة الإدماج. واعتبر أن أوضاع «سجناء الرأي» والموقوفين في قضايا مرتبطة بالمرسوم 54 تستحق مراجعة جدية، خاصة في ضوء التحركات المتعلقة بتنقيحه خلال الأسبوع الجاري. وأوضح أن المرسوم 54، الصادر في سبتمبر/أيلول 2022، يتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، وتثير بعض أحكامه انتقادات حقوقية باعتبارها تُستخدم لتقييد حرية التعبير.
وختم بوشيبة بقوله إن المطلوب ليس التساهل مع الجريمة، وإنما سياسة جزائية متوازنة، حازمة تجاه الجرائم الخطيرة والمنظمة، وعقلانية ورحيمة في اللجوء إلى السجن، وفعالة في استخدام البدائل. ودعا إلى الانتقال من منطق «العقاب بعد وقوع الجريمة» إلى «الوقاية قبل وقوعها»، دون إضعاف دور الأمن والقضاء. وأوضح أنه في قضايا المخدرات، ينبغي التمييز بين المستهلك الذي يحتاج إلى العلاج وإعادة الإدماج، وبين المروج وشبكات الاتجار والجريمة المنظمة. أما الوقاية من العنف، فتبدأ بحسب بوشيبة من الأسرة والمدرسة والجامعة والحي، عبر التربية على الحوار، ومكافحة التسرب المدرسي، ودعم الشباب في أوضاع الهشاشة، وتوفير الأنشطة الرياضية والثقافية. وخلص إلى أن «الأمن ضروري لمواجهة الجريمة الخطيرة، لكنه وحده لا يكفي، إذ نحتاج أيضاً إلى الوقاية والعلاج والتربية والعدالة الناجعة وإعادة الإدماج».
الدعوات لتوسيع العقوبات البديلة
حذر رئيس المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب شكري لطيف من أن الاكتظاظ يؤدي إلى «ظروف احتجاز قاسية» تنطوي على مخاطر تمس سلامة السجناء وكرامتهم وحقوقهم، وفي مقدمتها الحق في الحياة. وقال لطيف إن الاكتظاظ يؤدي إلى تفشي الأمراض المعدية، بما فيها الجلدية والتنفسية، وأن اقتران الاكتظاظ بضعف التهوية وانقطاع الكهرباء قد يتسبب في الاختناق وأزمات التنفس والسكتات القلبية والدماغية، خاصة لدى كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.
وأضاف أن هذه الظروف تتعارض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه تونس، وقواعد نيلسون مانديلا بشأن المعايير الدنيا لمعاملة السجناء، والقانون التونسي عدد 52 لسنة 2001 الذي يضمن للسجين سلامته الجسدية والمعنوية والرعاية الصحية والنفسية. ورأى لطيف أن الاكتظاظ ومحدودية الإمكانيات اللوجستية وموجة الحر الشديدة خلال الصيف الماضي عرضت صحة محتجزين وحياتهم لمخاطر المرض والموت.
ودعا إلى صيانة المؤسسات السجنية وتجهيزها بوسائل التهوية والتبريد والتدفئة، وتوفير أطقم صحية دائمة داخلها. وطالب بالإفراج، وفق الإجراءات القانونية، عن الموقوفين والمحكومين في قضايا الجنح البسيطة، إلى جانب كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، كما دعا إلى الإفراج عن «سجناء الرأي» والمحكومين بموجب المرسوم 54.
وشدد على تفعيل العقوبات البديلة، بما يشمل الصلح الجزائي والعمل للمصلحة العامة والسوار الإلكتروني والغرامات المالية، خصوصاً في الجنح المرتبطة بالفقر.
التصريحات الرسمية والتطورات الأخيرة
من جانبه، أكد المتحدث باسم ائتلاف «أحرار»، المساند لإجراءات 25 يوليو/ تموز 2021، أحمد الهمامي، أن السجون التونسية تعاني اكتظاظاً كبيراً، مبيناً أن نسبته «فاقت 200 بالمئة» من طاقة الاستيعاب. واقترح الهمامي الإفراج عن المحكومين بعقوبات تقل عن سنة سجنا، مقابل أداء أعمال مدنية أو الخضوع للمراقبة بالسوار الإلكتروني.
وقال إن هذه الحلول تتطلب تحركاً من وزارتي العدل والداخلية ورئاسة الجمهورية. ودعا مجلس نواب الشعب إلى تعديل المجلة الجزائية (قانون العقوبات)، التي قال إنها لم تشهد تعديلات جوهرية منذ نحو أربعين عاماً، باتجاه توسيع العقوبات البديلة، مع تقليص مدة الإيقاف على ذمة التحقيق التي قد تصل إلى 14 شهراً. واعتبر أن العقوبات البديلة أفضل من بناء سجون جديدة، مؤكداً أن التزام الدولة بتطبيق القانون لا يمنع التوسع فيها.
وأشار إلى اهتمام الرئاسة بهذا التوجه، مستشهداً بخطة لوزارة العدل لتطبيق السوار الإلكتروني، وتجربة للعقوبات البديلة شملت عدداً من السجناء بجزيرة جربة التابعة لولاية مدنين جنوب شرقي البلاد.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلن ممثلو وزارة العدل التونسية، خلال جلسة برلمانية، عن تفعيل العقوبات البديلة للسجن في 335 حالة، عبر أربع آليات تشمل السوار الإلكتروني، والعمل لفائدة المصلحة العامة، والصلح بالوساطة، والتعويض. وفق محضر الجلسة المنشور على الموقع الرسمي لمجلس نواب الشعب، أعلنت الوزارة مواصلة استكمال النصوص المنظمة للعقوبات البديلة، والبحث عن مزودي الأساور الإلكترونية، إلى جانب مشاريع لتحسين ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية.
وفي 22 أغسطس/ آب 2026، نفى الناطق باسم الهيئة العامة للسجون والإصلاح حاتم عكروت، في تصريحات لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، وجود تدهور صحي عام أو إهمال في الرعاية الطبية للسجناء، مؤكداً متابعة الحالات الصحية وفق الإجراءات المعمول بها. وسبق أن أكدت الهيئة، في بيان أواخر يوليو/ تموز الماضي، اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الارتفاع الاستثنائي في درجات الحرارة داخل المؤسسات السجنية، بما يضمن ظروف الإقامة والرعاية الصحية. ونفت آنذاك ما جرى تداوله بشأن تدهور الحالة الصحية لبعض السجناء وحرمان عائلاتهم ومحاميهم من زيارتهم.
ولَمْ تتضمن التصريحات الرسمية المذكورة إحصاء محدثاً لأعداد السجناء والطاقة الاستيعابية، وسط استمرار المطالب الحقوقية بمعالجة الاكتظاظ وتوسيع العقوبات البديلة.






