التقدم الحوثي في المقاطرة.. هل هو استدراج عسكري أم بداية تهديد لعدن؟

شارك
التقدم الحوثي في المقاطرة.. هل هو استدراج عسكري أم بداية تهديد لعدن؟

لم تعد رقعة الاشتباكات في اليمن محصورة في الجبهات التقليدية، ففي الأشهر الأخيرة تصاعدت وتيرة القتال وتحولت خرائط المواجهة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي بشكل لافت. امتدت المعارك إلى مناطق جديدة على امتداد الساحل الغربي وفي محافظتي تعز ولحج جنوبي البلاد، ووصلت إلى مديرية المقاطرة التي تكتسي أهمية استراتيجية كونها تقع على الطريق الذي يربط تعز بالعاصمة المؤقتة عدن.

تصعيد عسكري يغير خرائط السيطرة

أثار تقدم الحوثيين في المقاطرة مخاوف من اتساع رقعة الحرب باتجاه المحافظات الجنوبية، لكن خبيراً عسكرياً يمنياً استبعد أن تتمكن الجماعة من مواصلة الزحف حتى عدن، التي تبعد عن المقاطرة نحو 100 كيلومتر. وطرح الخبير سيناريو مفاده أن بعض الفصائل الموالية للحكومة قد تكون تعمّدت استدراج الحوثيين إلى مناطق نائية عن مركز تعز، بهدف تخفيف الضغط العسكري عن المدينة.

تسيطر جماعة الحوثي حالياً على صنعاء ومعظم المحافظات الشمالية والغربية: صعدة، عمران، ذمار، إب، حجة، المحويت، ريمة، الجوف، وأجزاء واسعة من الحديدة والبيضاء ومأرب وتعز. في المقابل، تنتشر القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها في المحافظات الجنوبية والشرقية: عدن، أبين، لحج، شبوة، حضرموت، المهرة، سقطرى، وأجزاء من تعز ومأرب والساحل الغربي.

غير أن خطوط السيطرة شهدت تغيرات مع التصعيد الأخير، إذ حقق الحوثيون تقدماً في مناطق بالساحل الغربي قرب مضيق باب المندب، إضافة إلى اختراقات في المرتفعات الجبلية في تعز ولحج، بينما تحاول القوات الحكومية وقف تقدمهم واستعادة المواقع المفقودة.

المقاطرة: موقع استراتيجي يهدد طرق الإمداد

برزت مديرية المقاطرة شمالي لحج كأحد أبرز ساحات المعارك في الأيام الأخيرة، بعد أن تمكن الحوثيون من السيطرة على مواقع مرتفعة واستراتيجية، منها قلعة المقاطرة التاريخية. تقع المديرية على بعد نحو 83 كيلومتراً شمال غربي مدينة الحوطة عاصمة لحج، وتبلغ مساحتها 476 كيلومتراً مربعاً، ويسكنها 54 ألف نسمة حسب تعداد 2004.

تحد المقاطرة تعز من الشمال، ومديرية المضاربة ورأس العارة من الغرب، وطور الباحة من الجنوب والشرق. هذا الموقع يمنحها أهمية عسكرية، إذ تشرف مرتفعاتها على طرق حيوية تربط تعز بالمناطق الجنوبية. وكانت المديرية تابعة لتعز قبل نقل تبعيتها الإدارية إلى لحج، مما يعكس ارتباطها الجغرافي الوثيق بمناطق التماس.

تكمن خطورة التقدم الحوثي في طبيعة التضاريس الجبلية للمقاطرة، فالمرتفعات تتيح لمن يسيطر عليها مراقبة طرق الحركة والإمداد، ولا سيما الطريق الاستراتيجي الرابط بين تعز وعدن عبر منطقة هيجة العبد. كما أن قربها من مديرية طور الباحة، إحدى البوابات الشمالية لحج، يزيد أهميتها في حسابات التقدم نحو الجنوب. وبالتالي، لا يقتصر أثر السيطرة على المقاطرة على تغيير خطوط التماس، بل يمتد إلى تهديد طرق الإمداد الحكومية وفتح محاور ضغط جديدة باتجاه لحج وعدن.

قراءات متباينة: تقدم حقيقي أم استدراج محسوب؟

أثار تقدم الحوثيين في المقاطرة مخاوف من اقتراب المواجهات من عدن، التي تتخذها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عاصمة مؤقتة. ولا ترتبط هذه المخاوف بالمسافة الجغرافية فحسب، بل بما قد يترتب على السيطرة على المرتفعات والممرات الحيوية من تهديد لخطوط الإمداد وفتح جبهات جديدة باتجاه المحافظات الجنوبية. كما أن استمرار الضغط الحوثي على جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، بالتزامن مع المواجهات قرب باب المندب، يضع القوات الحكومية أمام تحدي توزيع قدراتها العسكرية على جبهات متباعدة.

يزيد من صعوبة هذا التحدي تعدد التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين والحاجة إلى تنسيق عملياتها وتوحيد قرارها العسكري لمنع استغلال الجماعة أي ثغرات في خطوط الدفاع. وفيما تحاول الجماعة تثبيت مكاسبها وتوسيع نفوذها، تدفع القوات الحكومية والقوى الجنوبية بتعزيزات لاحتواء التقدم واستعادة المواقع المفقودة، ومنع انتقال المعارك إلى عمق المحافظات الجنوبية.

استبعد الخبير العسكري اليمني علي الذهب، في حديثه للأناضول، قدرة الحوثيين على مواصلة التقدم والوصول إلى عدن. وقال: “التقدم الحوثي في مساحات كبيرة مؤخراً، خاصة في تعز، لا يعكس حقيقة قوة الحوثيين أو سهولة وإمكانية وصولهم إلى عدن”، وإنما يكشف خللاً تنظيمياً في إدارة القوات التابعة للحكومة الشرعية. وأوضح أن توحيد القرار العسكري للقوات الحكومية وإعادة النظر في قياداتها وآليات بنائها وإدارتها من شأنه تعزيز موقف الحكومة والحد من اندفاع الحوثيين.

وشدد الذهب على أن الوضع الميداني الحالي يختلف عما كان عليه عام 2015، عندما تمددت الجماعة في عدة محافظات بينها عدن قبل أن تفقد السيطرة عليها. ورأى أن المكاسب التي حققها الحوثيون مؤخراً “مؤقتة”، وأن الاحتفاظ بها يواجه تحديات، أبرزها إمكانية معالجة القوات الحكومية أوجه القصور في أدائها، فضلاً عن ضعف الحاضنة الشعبية للجماعة في المناطق التي تقدمت إليها.

وفي تفسير آخر، لا يستبعد الذهب أن تكون بعض الفصائل الموالية للحكومة قد تعمّدت استدراج الحوثيين إلى مناطق بعيدة عن مركز تعز لتخفيف الضغط العسكري على المدينة. وبحسب تقديره، فإن إتاحة المجال أمام الجماعة للتقدم جنوباً ربما دفعتها إلى الاعتقاد بإمكانية تحقيق مزيد من المكاسب، لكنها في المقابل ساعدت على تخفيف الضغط عن القوات المدافعة عن تعز. ويرى أن هذا التطور قد يعزز موقف القوات المناهضة للحوثيين في المدينة، ويجعل الجماعة أكثر عرضة للخسائر إذا حاولت استئناف هجماتها باتجاه مركز المحافظة.

تبقى هذه القراءة تقديراً عسكرياً للذهب، في ظل صعوبة الجزم بما إذا كانت التحركات الحكومية الأخيرة نتيجة انسحابات فرضتها المعارك أم إعادة انتشار ضمن خطة عسكرية أوسع.

خسائر بشرية ومخاوف إنسانية

مع اتساع رقعة المواجهات، تتزايد الخسائر البشرية والعسكرية في جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى من المقاتلين والمدنيين خلال التصعيد الأخير. وتتفاوت الحصائل التي تعلنها الأطراف المتحاربة، في ظل صعوبة الوصول إلى بعض مناطق الاشتباكات والتحقق المستقل من أعداد الضحايا.

وتثير المعارك أيضاً مخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية، خصوصاً في المناطق التي تمر عبرها طرق الإمداد والنقل بين المحافظات، وما قد يترتب على تعطيلها من صعوبات في حركة السكان ووصول السلع والمساعدات. وبين محاولات الحوثيين تثبيت مكاسبهم وتحركات القوات الحكومية لاستعادة المواقع التي خسرتها، تتحول المقاطرة إلى اختبار ميداني لقدرة الطرفين على تغيير موازين القوى في جنوب غربي اليمن.

وفي حين يثير اقتراب المواجهات من عدن مخاوف بشأن أمن العاصمة المؤقتة، يرى الذهب أن حسم المعركة لن يتوقف على المسافات التي تقطعها القوات المتقدمة، بقدر ما يرتبط بقدرتها على الاحتفاظ بالأرض، ومدى نجاح القوات الحكومية في تجاوز اختلالاتها وتوحيد قرارها العسكري.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *