طبيب بين عقدين: متى يتحول البقاء بعد الدوام إلى مؤشر على خلل مؤسسي؟

08/09/2026 05:00

قد تبدو الإجابة السهلة أن العمل الطبي بطبيعته لا يقبل التوقف المفاجئ، وهي مقولة صحيحة لكنها لا تشرح الصورة كاملة. فالممارس الصحي يعمل، مجازًا، بعقدين: عقد وظيفي يربطه بالمؤسسة ويحدد ساعات العمل والحقوق والواجبات، وعقد مهني تفرضه طبيعة المهنة وأخلاقياتها ومسؤوليتها تجاه المريض، وقد تستمر آثاره بعد تسجيل الخروج.

المفارقة أن بعض المؤسسات تدير العقد الأول وتتّكئ على الثاني. فحين يتأخر الطبيب عشر دقائق صباحًا، تستطيع المنظومة رصد ذلك بدقة. وحين يبقى بعد دوامه ليستكمل معاينة حالة أو ليطمئن إلى انتقال مسؤوليتها بأمان، قد لا تظهر تلك الدقائق في أي مؤشر من مؤشرات الأداء. وإذا وقع خطأ، يتجه السؤال بسرعة إلى قرار الطبيب ومسؤوليته المهنية، فيما يستحق تصميم العمل وآلية التسليم القدر نفسه من الفحص.

معادلة غير متوازنة

هنا تظهر معادلة غير متوازنة: التزام قد يمتد بعد الساعة، وقياس يتوقف عندها. وقد يُرى الممارس الذي يتجاوز ساعات عمله نموذجًا للتفاني، وقد يكون كذلك فعلًا. لكن تكرار هذا المشهد يوميًا يستدعي سؤالًا مختلفًا: لماذا يحتاج الطبيب أصلًا إلى البقاء؟

استمرارية الرعاية تحتاج نظامًا يحدد من يستلم المسؤولية، وكيف تنتقل المعلومات الحرجة، ومتى يصبح المريض في عهدة الفريق التالي. وقد أظهرت دراسة متعددة المراكز نشرتها مجلة نيو إنغلاند الطبية أن تطبيق برنامج منظم لتسليم المرضى ارتبط بانخفاض الأخطاء الطبية بنسبة 23 بالمئة، والأحداث الضارة القابلة للمنع بنسبة 30 بالمئة، دون زيادة ذات دلالة في مدة التسليم.

فالتسليم المنظم جزء من سلامة المريض، ويساعد على انتقال المسؤولية دون اعتماد مستمر على التضحية الفردية. ولهذا، قد يكون البقاء بعد الدوام فضيلة في الطبيب، لكنه حين يصبح قاعدة قد يكون عرضًا لمشكلة في المؤسسة. وتظهر المشكلة نفسها عند قياس الأداء، فغالبًا ما نلتقط ما يسهل عده، ونفقد أحيانًا ما يصعب وصفه.

حين تختصر البصمة الأداء

المشكلة ليست في قياس الحضور أو الالتزام بساعات العمل؛ فالانضباط جزء من المهنية، ومن حق المؤسسة أن تعرف كيف يُستغل وقت العمل. المشكلة تبدأ حين يتحول ما يسهل قياسه إلى تعريف للأداء نفسه. فالبصمة تستطيع أن تخبرنا متى حضر الطبيب ومتى غادر، لكنها لا تخبرنا عن جودة قراره، أو دقة تشخيصه، أو الوقت الذي احتاجه مريض معقد، أو خطأ تجنبه قبل أن يصل إلى المريض.

وهنا يكمن خطر الإدارة بالأرقام: إنها تمنحنا صورة شديدة الدقة عن جزء صغير من العمل، ثم تغرينا بالتعامل معها وكأنها الصورة الكاملة.

طبيب رأى خمسين مريضًا خلال أربع ساعات، وآخر رأى خمسة عشر. أيهما أفضل أداء؟ العدد يعطي إجابة سريعة، لكنه لا يخبرنا عن تعقيد الحالات. فقد يكون الطبيب الآخر راجع أدوية متعددة لمريض مسن، وأجرى فحصًا أدق، وناقش خيارات العلاج، ورتب إحالة متكاملة. فتجديد وصفة لمريض مستقر يختلف عن التعامل مع مريض يعاني أمراضًا مزمنة متعددة وشكاوى متداخلة.

من عدد المرضى إلى قيمة الرعاية

لذلك يبدو الانتقال من عدد المرضى إلى قيمة الرعاية منطقيًا. غير أن استبدال رقم برقم آخر لا يكفي. فالتوثيق قد يكون مكتملًا، بينما تختلف جودة القرار السريري، كما أن رضا المريض يقدم جزءًا من الصورة. وحين يتحول المؤشر إلى هدف بحد ذاته، يبدأ السلوك في التكيف معه. وهنا يبرز السؤال الأعمق: كيف نحكم على الأداء؟

بعض جوانب جودة الطبيب تحتاج إلى خبرة مهنية تفهم تعقيد القرار الطبي، من خلال مراجعة الأقران، ومناقشة الحالات، والتدقيق السريري، وتحليل الأخطاء والأحداث. هذه الأدوات هي التي تمنح مؤشرات الأداء سياقها ومعناها.

هذا لا يعفي الطبيب من المساءلة؛ فالانضباط والحضور والتوثيق وحجم العمل عناصر مهمة، والتقصير فيها يستوجب المحاسبة. لكن تحويل أحدها إلى تعريف كامل للأداء يخلق صورة ناقصة. نحتاج إلى إدارة تفهم طبيعة العمل الذي تقيسه: تسليم سريري واضح وموثق، وجداول تراعي العبء وتعقيد الحالات، ومؤشرات متعددة، ومراجعة مهنية تفسر الأرقام بدل الاكتفاء بها.

عندما يغادر الطبيب وتبقى المسؤولية

عندها تصبح جملة الشريان صحيحة في حق الطبيب أيضًا: ينتهي دوامه، وتنتقل مسؤولية المريض بأمان إلى ممارس آخر. فالمنظومة الجيدة تسمح للطبيب أن يغادر، وتضمن للمريض أن تبقى الرعاية. يتغير الطبيب، وتبقى المسؤولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *