منذ أن دخل الذكاء الاصطناعي ساحة العمل، أصبح السؤال الشغل الشاغل للكثيرين: متى ستحل هذه التقنية محل الوظائف البشرية؟ يتابع الناس النماذج الناشئة، ويعدّون المهن التي قد تتأثر، ويتساءلون ما إذا كان المحاسب أو المبرمج أو الصحفي أو المحامي سيواجه يوما ما نظاما أسرع وأقل تكلفة ولا يطلب راحة أو أجرا.
القلق من استبدال الوظائف بالذكاء الاصطناعي
لكن بينما يركز الانتباه على السباق بين الإنسان والآلة، نشبت داخل المؤسسات معركة أكثر هدوءا وربما أكثر تأثيرا: صراع بين البشر أنفسهم بسبب تقنيات الذكاء الاصطناعي.
صراع فريقي تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي
هذا ما يوضحه مقال للباحثين غراهام كيني، وكيم أوستهاوزن، وغانا بوغريبنا، حيث يلاحظون توترا متصاعدا بين مجموعتين يفترض أنهما يعملان نحو هدف واحد: قسم تقنية المعلومات وفريق الذكاء الاصطناعي.
قسم تقنية المعلومات قضى عقودا في تعلم منع الكوارث: يحمي البيانات، يؤمن الأنظمة، يلتزم باللوائح، ويقلل المخاطر. نجاحه يعني أن تسير الأمور دون مفاجآت. وفي المقابل، فريق الذكاء الاصطناعي يتبع فلسفة مختلفة: جرّب، أخفق، تعلّم، عدّل، ثم تحرك بسرعة.
الأول يسأل: ماذا لو فشل النظام؟ والثاني يتساءل: ماذا لو تأخرنا وسبقنا المنافسون؟ هذا الاختلاف التقني يتحول إلى صراع على الصلاحيات: من يملك البيانات؟ من يقرر الأدوات التي تدخل المؤسسة؟ من يمنح إذن استخدام معلومات العملاء؟ ومن يحدد مستوى المخاطرة المقبول؟ قبل سنوات كانت الإجابات واضحة؛ اليوم ظهر لاعب جديد يطالب بمكان على طاولة اتخاذ القرار.
توسع النقاش إلى الإدارات الأخرى
ولن يبقى الخلاف محصورا بين الفنيين فقط. ستشارك الإدارة القانونية خشية المسؤولية، والموارد البشرية قلقة على الاستقرار الوظيفي، والمالية تبحث عن عائد الاستثمار، بينما يقف الموظف أمام أداة جديدة ويتساءل: هل جاءت لمساعدتي أم لتعلم مهامي ثم تحل مكاني؟
دور القيادة في تحقيق التوازن
تشير أبحاث “ماكينزي” إلى أن المنظمات التي تنجح في تبني الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على إضافة أدوات جديدة إلى أساليب العمل القديمة، بل تعيد تصميم سير العمل والأدوار وآليات اتخاذ القرار. فلا يمكن إدخال تقنية ثورية في بيئة تقليدية ثم توقع أن يبقى كل شيء كما هو باستثناء شاشة الكمبيوتر.
هنا يبرز الاختبار الحقيقي للقيادة. القائد الحكيم لا يختار بين فريق يضغط على دواسة الوقود وآخر يضع قدمه على المكابح؛ فالسيارة تحتاج إليهما معا. الابتكار دون حوكمة قد يتحول إلى فوضى، والحوكمة التي تمنع كل تجربة قد تصبح مجرد اسم أنيق للخوف من المستقبل. السرعة وحدها ليست استراتيجية، والحذر وحده ليس قيادة.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم أمام مجالس الإدارة: كم أنفقنا على الذكاء الاصطناعي؟ ولا: ما أحدث نموذج اشتريناه؟ بل الأصعب هو: هل مؤسستنا، بثقافتها وقياداتها وصراعاتها الداخلية، مستعدة حقا للذكاء الاصطناعي؟
قد نكتشف في النهاية أن أكبر عائق أمام ثورة التقنية ليس الآلة نفسها، بل البشر الذين اختلفوا على من يملك مفاتيحها.





