الهوية الوطنية في عصر المحتوى المتسارع

08/09/2026 05:00

في زمن المنصات، الأخطر ليس الوقت الذي تأخذه الشاشات منا، بل أن نفقد جزءًا من هويتنا بينما نعتقد أننا نلهو.

اليوم لا تُختبر الهويات فقط عبر الكتب والخطابات، بل أيضًا عبر مقطع قصير لا يتجاوز ثوانٍ قليلة، ومؤثر يتابعه الملايين، واتجاه يظهر صباحًا ويغطي الهواتف مساءً.

تأثير المحتوى السريع على الهوية

الانفتاح ليس نقيضًا للهوية، والتطور لا يقتضي التخلي عن الجذور، ومواكبة العصر لا تستلزم استعارة شخصية الآخرين. الأمم الواثقة من نفسها تتعامل مع العالم باسمها وصفاتها وقيمها، وليس بنسخة مستعارة من غيرهم.

لكننا نشهد في بعض المحتويات سباقًا غريبًا نحو التقليد؛ تُستورد مصطلحات، وتُنسخ سلوكيات، وتُعرض مظاهر، حتى بات البعض ينظر إلى اللهجة المحلية والتراث الاجتماعي على أنهما عائق يجب التخلص منه ليظهر بمظهر “عصري”. والأسوأ عندما تتحول قيم المجتمع إلى مادة للسخرية فقط لجذب المشاهدات أو الإعجاب أو الظهور momentarily في قائمة الأكثر تداولًا.

مسؤولية صانع المحتوى

هنا لا يمكن إعفاء صانع المحتوى من المسؤولية. من يتابعه عدد كبير قد يصل إلى مئات الآلاف أو حتى الملايين لم يعد مجرد شخص يتحدث إلى هاتفه؛ أصبح منصة إعلامية. كلمة منه قد تنتشر أبعد من مقال، ومشهد قد يكون تأثيره أكبر من محاضرة، وسلوك يقدمه على أنه عابر قد يتحول لدى الأطفال إلى مثال يُقلَّد. وبالتالي فإن عدد المتابعين ليس امتيازًا فحسب، بل هو أيضًا التزام.

الهوية الوطنية كمصدر للإبداع

الهوية الوطنية لا تحتاج إلى خطابات يومية ولا شعارات تملأ الشاشات. يلزم أن تكون موجودة بشكل طبيعي في لغتنا، وقيمنا، واحترامنا لمجتمعنا، وطريقة تقديمنا لوطننا. الوطنية لا تعني وضع العلم خلفك أثناء التصوير ثم تقديم محتوى يتعارض مع قيم المجتمع الذي يمثله.

لدينا في المملكة تاريخ عميق، وثقافة متنوعة، ولهجات، وحكايات، وفنون، وموروث، ومدن وقرى بيئات تمتد من البحر إلى الجبل والصحراء. هذه ثروة هائلة يمكن أن تنتج محتوى سعودي قادر على المنافسة، ليس بالتقليد بل بالتميز.

نريد جيلًا يرى العالم كله لكنه يعرف من أين جاء، يستخدم أحدث التقنيات، ويتحدث لغات العالم، وينفتح على ثقافات أخرى، لكنه عند تقديم نفسه لا يحتاج إلى استعارة هوية أحد.

الخوف ليس من الاتجاه الذي يأتي ويذهب، بل من أثره الذي يبقى بعد رحيله. في وقت يتغير المحتوى كل دقيقة، يجب أن تبقى أمور لا تتغير: معرفة من نحن، والافتخار بما نحن عليه، وعدم السماح لخوارزمية أن تفرض علينا هويتنا.

نحن جميعًا نخدم الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *