من كارثة بحرية إلى نموذج عالمي: كيف غيّرت هولندا علاقتها مع الفيضانات

08/09/2026 05:00

في شتاء عام 1953، تعرضت سواحل هولندا لعاصفة بحرية عنيفة، فتصاعدت مياه بحر الشمال واخترقت الحواجز المائية وأغرقت مساحات شاسعة من الأراضي. كانت الحصيلة مأساوية: عشرات الآلاف من القتلى، وآلاف المنازل المدمرة، وأعداد هائلة من الحيوانات النافقة، وندوب عميقة في الذاكرة الجماعية. كان بإمكان القصة أن تنتهي بمجرد انحسار المياه وعودة الحياة تدريجياً، كما يحصل عادةً بعد الكوارث. لكن هولندا اختارت مساراً مختلفاً.

تحول جذري في فلسفة التعامل مع الطبيعة

أطلقت الدولة مشروعاً ضخماً لحماية البلاد من الفيضانات، فأصبحت إدارة الموارد المائية جزءاً لا يتجزأ من التخطيط الوطني. شُيّدت السدود والحواجز، وطُوّرت شبكات تصريف، وأُعيد تصميم المناطق الساحلية، وأصبح خطر الفيضانات حاضراً في كل مشروع عمراني أو هندسي. لكن الأهم من كل ذلك كان التحول في العقلية الهولندية. لم يعد السؤال: كيف نمنع الفيضان إلى الأبد؟ بل تحول إلى سؤال أكثر واقعية: كيف نعيش مع احتمال حدوث الفيضان، ونقلل قدرته على تدمير حياتنا عندما يأتي؟ وهنا تبدأ القصة الحقيقية لإدارة المخاطر.

إدارة المخاطر: قبل الكارثة لا بعدها

نميل أحياناً إلى التعامل مع المخاطر بردود فعل متأخرة. لا ننتبه إليها إلا عندما تتحول إلى مشكلة مرئية. عندما تتدفق السيول في الشوارع، نبدأ بالتفكير في تصريف المياه. وعندما يتضرر مبنى من الرياح أو الأمطار، نتساءل عن جودة البناء. وعندما تنقطع خدمة أساسية بسبب حدث مفاجئ، نسأل لماذا لم توجد خطة بديلة. لكن إدارة المخاطر الفعلية تبدأ في وقت مختلف، قبل وقوع أي شيء. المقصود بها أن ننظر إلى المستقبل ونتساءل: ما الذي يمكن أن يحدث؟ وإذا حدث، ماذا سيكون تأثيره علينا؟ ومن سيتضرر؟ وما الذي يمكننا فعله الآن لتقليل الخسائر؟ قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنه يتطلب أسلوباً مختلفاً في التفكير.

الخطر الطبيعي ليس كارثة بحد ذاته

الخطر الطبيعي لا يتحول بالضرورة إلى كارثة. المطر الغزير ليس كارثة، والزلزال ليس كارثة في حد ذاته، والرياح القوية ليست كارثة دائماً. الخطر يصبح كارثة عندما يجد أمامه مجتمعاً أو مدينة أو منشأة شديدة القابلية للتضرر. زلزال قوي في منطقة خالية قد يمر دون خسائر بشرية تذكر، بينما زلزال أقل قوة في مدينة مكتظة بمبانٍ ضعيفة قد يتسبب بآلاف الضحايا. الأمر نفسه ينطبق على المياه. فالماء الذي يروي الأرض ويملأ السدود قد يتحول في ساعات قليلة إلى قوة مدمرة إذا دخل منزلاً أو مستشفى أو مدرسة أو أغلق طريقاً رئيسياً. إذن، المشكلة ليست دائماً في الخطر نفسه، بل في ما يوجد في طريقه ومدى استعدادنا لمواجهته. هذه الفكرة تستحق التوقف عندها.

الوقاية: نجاح غير مرئي

لا يمكننا منع الخطر. لا نستطيع منع المطر من الهطول، ولا إيقاف الزلازل، ولا التحكم في العواصف. لكننا نستطيع أن نقرر أين نبني، وكيف نبني، وكيف نصمم الطرق، وأين نضع المستشفيات والمدارس، وكيف نحذر الناس، ومتى نخلي المناطق الخطرة، وكيف نحافظ على الخدمات الأساسية عندما تتعرض المدينة لحدث كبير. هذه القرارات، رغم أنها تبدو عادية في الأيام الهادئة، قد تصبح في لحظة ما قرارات تنقذ الأرواح. المشكلة أن الوقاية لا تحظى دائماً بالاهتمام نفسه الذي تحصل عليه الاستجابة بعد الكارثة. عندما تقع كارثة، تتجه الأنظار إلى فرق الإنقاذ والإسعاف والطوارئ، وهذا طبيعي. لكن قليلين يتذكرون الأشخاص الذين عملوا قبل سنوات على إعداد خريطة للمناطق الخطرة، أو المهندس الذي شدد متطلبات البناء، أو المسؤول الذي منع إنشاء مشروع في منطقة معرضة للفيضان، أو الفريق الذي طور نظام إنذار مبكر. ومع ذلك، قد تكون هذه الإجراءات هي التي منعت الكارثة من أن تكون أكبر. وهنا تكمن إحدى المفارقات الجميلة في إدارة المخاطر: أفضل نجاح لها هو أن تمر الكارثة دون أن نعرف حجم الكارثة التي تم تجنبها. إذا منع سد سيلاً عن مدينة، فلن يرى الناس السيل الذي لم يصل إليهم. وإذا حذر نظام إنذار مبكر آلاف الأشخاص من الاقتراب من منطقة خطرة، فلن نعرف عدد الحوادث التي لم تقع بسبب ذلك التحذير. ولهذا يصعب إقناع الناس بأهمية الاستثمار في إدارة المخاطر. كيف تقنع شخصاً بإنفاق المال على خطر لم يقع؟ لأن تكلفة الاستعداد غالباً ما تكون أقل بكثير من تكلفة عدم الاستعداد. لكن هذا لا يعني أن إدارة المخاطر تعني إنفاق الأموال بلا حدود. على العكس، الإدارة الجيدة للمخاطر تعني اختيار ما يستحق أن ننفق عليه، وما يمكن تقليل خطره بإجراء بسيط، وما يحتاج إلى مشروع كبير، وما يمكن التعامل معه بالإنذار أو التدريب أو التوعية. فليس كل خطر يحتاج إلى سد، وليس كل خطر يحتاج إلى منشأة ضخمة. أحياناً يكون تغيير مسار طريق هو الحل. وأحياناً يكون منع البناء في موقع معين هو الحل. وفي حالات أخرى قد يكون الحل تدريب السكان أو تحسين نظام الإنذار.

الاستعداد: مسؤولية الجميع

لا تنتظر الكارثة حتى تعرف أين تكمن نقاط ضعفك. فالمجتمع الذي يعرف نقاط ضعفه يستطيع أن يعمل عليها قبل أن تختبرها الكارثة. هذه القاعدة لا تنطبق على الدول فقط، بل على المؤسسات والأسر والأفراد أيضاً. كل مؤسسة، مهما كان حجمها، يمكن أن تسأل نفسها: ماذا لو انقطعت الكهرباء؟ ماذا لو تعطل النظام الإلكتروني؟ ماذا لو أغلقت الأمطار الطريق المؤدي إلى مقرنا؟ ماذا لو اضطررنا إلى إخلاء المبنى؟ هل نستطيع الاستمرار في العمل؟ هل نعرف من يتخذ القرار؟ وهل يعرف الموظفون ماذا يفعلون؟ والأسرة تستطيع أن تسأل الأسئلة نفسها بطريقة أبسط: ماذا سنفعل إذا اضطررنا إلى مغادرة المنزل؟ أين سنلتقي؟ بمن سنتصل؟ وهل يعرف أطفالنا ماذا يفعلون في حالة الطوارئ؟ هذه ليست أسئلة تشاؤمية. إنها أسئلة شخص يريد أن يكون مستعداً.

وربما هذه هي النقطة التي نحتاج إلى تغييرها في نظرتنا إلى إدارة المخاطر. فالاستعداد للخطر لا يعني أننا نتوقع الأسوأ، وإنما يعني أننا نرفض أن نترك مستقبلنا للصدفة. لقد فهم الهولنديون هذه الحقيقة بعد كارثة عام 1953. ومنذ ذلك الوقت، لم يكتفوا ببناء الحواجز، بل بنوا معها ثقافة كاملة لإدارة المياه والعيش في بيئة معرضة للفيضانات. والدرس الأهم من تجربتهم ليس أن على كل دولة أن تبني سدوداً مثل هولندا، فهذا غير منطقي. الدرس هو أن لكل مجتمع أخطاره، وعليه أن يعرفها ويتعامل معها قبل أن تتحول إلى خسائر. فالمدينة التي تعرف أن منطقة معينة معرضة للسيول يمكنها أن تخطط قبل البناء. والمؤسسة التي تعرف أنها تعتمد على نظام إلكتروني واحد يمكنها أن تضع بديلاً. والأسرة التي تعرف أن منزلها يقع في منطقة معرضة لخطر معين يمكنها أن تستعد. والمواطن الذي يعرف كيف يتصرف عند صدور تحذير رسمي قد يحمي نفسه وأسرته قبل أن تصل فرق الإنقاذ. لا نستطيع اختيار الأخطار التي ستواجهنا، لكننا نستطيع أن نختار مقدار استعدادنا لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *