يمثل انتقال حقوق بث دوري روشن السعودي إلى منصة «ثمانية» منعطفاً يتجاوز مجرد استبدال الناقل، إذ يأتي ضمن مسار التحول الرقمي الذي تشهده صناعة الإعلام الرياضي. غير أن موجة الجدل المتصاعدة بشأن مستوى النقل والتعليق والتغطية، تلاها قرار حصر جودة المشاهدة العالية في الباقات المدفوعة، يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل انتقلنا فعلياً إلى تجربة إعلامية أكثر نضجاً، أم أننا اقتصرنا على تغيير القناة التي تصل عبرها المباراة إلى الجمهور؟
محطات تاريخية في نقل المباريات
مرت صناعة النقل الرياضي عبر ثلاث محطات رئيسة تاريخياً؛ بدأت بالتلفزيون المفتوح، ثم انتقلت إلى القنوات الفضائية المشفرة، وصولاً إلى منصات البث الرقمي الراهنة. ولم يكن التنقل بين هذه المراحل إقراراً بعجز ما سبقها، بل استجابة لتحولات اقتصادية وتقنية وسلوكية متزامنة؛ فالمشاهد المعاصر لم يعد يكتفي بمتابعة اللقاء، بل بات يبحث عن المرونة والتفاعل وتعدد الخيارات، في حين تسعى الدوريات إلى تعظيم عوائد حقوقها والوصول إلى جماهير وأسواق جديدة.
اقرأ أيضاً: القرني: التسويق وإدارة الحملات الإعلامية والسمعة الرقمية ضرورة استراتيجية في عصر التحول الرقمي
تجارب عالمية مرجعية
وتؤكد تجارب عالمية مرجعية، مثل منصة «DAZN» التي انطلقت في عام 2016، وصفقة «آبل» مع الدوري الأمريكي لكرة القدم في عام 2023، أن التحول الرقمي مشروع متكامل يتعدى مجرد نقل المباراة عبر تطبيق؛ فالمنصة الناجحة لا تكتفي ببيع اشتراك، بل تقدم قيمة مضافة تقنع المشاهد بما ينفقه.
اقرأ أيضاً: ثلاث مواجهات في الجولة الثانية لدوري فتيات اليد السعودي
إشكالية النموذج التجاري لـ «ثمانية»
وهنا تبرز إشكالية منصة «ثمانية». فمن حقها التجاري تطوير باقات مدفوعة وتحقيق عوائد تضمن استدامة المشروع، إلا أن الفارق واسع بين تحفيز المشاهد على الاشتراك عبر مزايا إضافية، وبين تقليص جودة الخدمة المجانية التي اعتاد عليها الجمهور؛ فالجودة الأساسية ليست ترفاً، لا سيما عندما يتعلق الأمر بدوري يستثمر مليارات الريالات لتعزيز حضوره ومكانته على الساحة العالمية.
اقرأ أيضاً: الرياض السعودي يعلن انضمام تريزيجيه لمعسكر الفراعنة استعداداً لتصفيات أمم أفريقيا
كذلك، لا يعوض التطور التقني القصور في عناصر العمل الإعلامي؛ فجودة الصورة وحدها لا تصنع نقلاً احترافياً، كما أن وفرة البرامج لا تعني بالضرورة جودة المحتوى. فالتعليق، والتحليل الفني، والإخراج، وإدارة الاستوديوهات، كلها مكونات تشكل تجربة المشاهد وتحدد صورته الذهنية عن البطولة.
معايير النجاح الحقيقي للتحول الرقمي
من الإنصاف الإقرار بأن بناء منظومة بث جديدة يتطلب وقتاً واستثمارات وتجارب وتصحيحاً للأخطاء، وأن بعض الملاحظات لا تلغي الجوانب الإيجابية في المشروع، غير أن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم، خصوصاً مع استمرار الشكاوى وتزايد تطلعات الجمهور.
إن نجاح «ثمانية» لا ينبغي أن يقاس بعدد المشتركين أو المشاهدات وحدهما، بل بمستوى رضا الجمهور وجودة المنتج الإعلامي، وقدرته على المنافسة عالمياً. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني أن ننقل المشاهد من شاشة إلى أخرى، بل أن ننقله من تجربة اعتاد عليها إلى تجربة أفضل تستحق أن يدفع مقابلها.
المزيد في قسم الرياضة






