وفاء الابن للذكرى: سيرة أبٍ ملهمٍ في خدمة العائلة والمجتمع

28/05/2026 07:00

تراودني أحاسيس أن ما حدث قد انتهى، وأن ذلك جزء من طبيعة الحياة؛ فأؤمن بأن روح الإنسان عندما تنطلق إلى ملكوت الله تتحرر من قيود الجسد الفاني. مرت الأيام ببطء، ثم خرجت من عمق النسيان طيف أبي، تجلّى في صورته الرفيعة التي رافقتني منذ صباي.

ذكريات لا تنسي

بعد أربعين يوماً من غياب أبي، لم أشعر بأية فجوة سابقة ولا شعرت بغيابٍ مماثل. تجمّعت الذكريات وتزايد الأسى لرحيل صاحب العزيمة العالية، الصوت الحنون، الشيم النبيلة، الحكمة العميقة، البصيرة السديدة، التدين الرفيع، الصبر في أوقات البلاء، والحلم في لحظات الغضب.

رعاية وحنان من الصغر

كان أبي يعاملنا منذ الصغر بلطفٍ خاص، فنمت تحت ظله حرية الاختيار في شؤون حياتنا؛ من الذهاب إلى المدرسة أو البقاء فيها، ومن ثمرة المثابرة إلى سُقوف الغياب. ظلّ يحنو علينا كأننا لم نكبر، وكان يرغب في مرافقتي إلى المحاضرات أو اللقاءات الأدبية لتجنب شعوري بالوحدة، إلا أن مخاوفه من أن يثقل عليّ سفره أو تكاليفه كانت تدفعه إلى التردد.

تضحية وإيثار

تخلّى أبي عن بعض حقوقه لإرضاء أقاربه وتجاوز الخلافات، وكان يطمئننا بعبارة “ما تركت لله، سيبدلني الله خيراً منه”، ثم يكرر قوله المألوف “إن الله يصنع فيّ”؛ أي أن تدبير الله هو ما يجلب الخير دون أن نتدخل.

كان بيته مفتوحاً للضيوف في حضوره وغيابه، يكرم كل من يطرق بابَه من قريب أو غريب أو عابر سبيل، ولا يدّخر شيئاً عن عائلته، فكان مسكناً منوراً بنوره، واسعاً بسماحته رغم دخوله القليل المبارك.

دعم المجتمع وخدمة القرى

لم يكن المال بالنسبة له سوى وسيلة لتحقيق المكارم وتلبية الحاجات، وكان يردد: “خير المال ما سد الفجر”؛ أي أن المال يُقصد به ما يُسدّ الضروريات ويُغطي الحاجات، لا ما يُدخَّن.

سعى إلى فتح الطريق إلى قريته والقرى المجاورة رغم معارضة الكثيرين، وضحى بالجهد والمال لتوفير الكهرباء والسقيا، وعمل على تجديد وتوسيع مسجد القرية بطراز حديث، كما أهدا أحد مزارعه لإقامة برج اتصالات دون أي مقابل. لم يُخفَ عطاءه عن الناس، رغم أن البعض يظن أنه يسعى لمصالح شخصية، وهو ما لا يصح.

كان معلم القرآن في ثلاث معالم، وعند افتتاح المدارس الحكومية أودع أبناؤه لدى أصدقائه في بلدات بعيدة ليلتحقوا بالتعليم. سعى لإقامة مدارس للبنات، وأقنع الأهالي بضرورة تعليم بناتهم، ورافق أخواته إلى معهد المعلمات، متحملاً صعوبات التنقل حتى تخرجن وكنّ من أوائل ثلاث معلمات سعوديات في مدرستهن الأولى.

غادر بيته وقريته، وتولى رعاية أمه في رحلة علاج استمرت ثمانية أشهر، متنقلاً بين المدن والمستشفيات، قائلاً: “أعلم أن مرافقتي لكم في الأسفار تزيد الأعباء، لكنني أجد في مرافقتها تسليةً لها وطمأنينةً لي”.

بعد ذلك انتقل إلى المدينة ليستقر قريباً من أبنائه وبناته، مبرّراً ذلك بقوله لمن انتقده: “أكره أن أشق عليكم أو أجُرّ عليكم العقوق”. عانى المرض لسنوات طويلة صابراً ومُعِيناً لعائلته، وربما كتم ألمه لكي لا يؤلمهم، وقد صرح مرةً: “لقد استبطأت الموت لكنّي أكره أن تجزعوا”.

تستيقظ الذاكرة لتستدعي طيف أبي، فتغمرني مشاعر الفقد وتحيطني صور الجمال والكرم والصدق. نسأل الله أن يرحم من كان رحيمًا معنا، وأن يجزيه بالإحسان، وأن يكرمه في دنياه، وأن يظل لطيفًا بالأيتام والغرباء والمساكين، عاطفًا عليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *