جدة: ثلاث محطات شكّلت هوية وطن

24/09/2026 21:01

تستوقفني في جدة القصة الكامنة وراء كل مشهد؛ كيف يمكن لقرار واحد أن يترك أثراً يمتد عبر القرون، ويغيّر صلة المدينة بالعالم وبالحياة وبمستقبلها.

من ميناء إلى بوابة حضارة

في عام ٢٦هـ، أمر الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بأن تصبح جدة ميناءً لمكة المكرمة. منذ ذلك القرار، تحوّلت المدينة إلى نقطة تقاء للحجاج والتجار، فجلبت إليها ألسنة ومعارف وحرف من أراضي بعيدة. حملت السفن إلى سواحلها أناساً بلغاتهم ومهاراتهم، فتشكّلت مجتمعٌ عرف العالم وعرفه العالم.

الماء كمحفز للنمو

بعد قرون، برز تحدٍ مختلف متمثل في نقص الماء العذب رغم القرب من البحر. استجابة لذلك، أصدر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أمراً بتنفيذ مشروع العين العزيزية، فوصلت المياه إلى جدة عام ١٣٦٧هـ. لم يكن ذلك مجرد حل لمشقة يومية؛ بل مع توسيع الإمداد حتى عام ١٩٥٠ وما بعده، أصبح الماء شرطاً أساسياً سمح للمدينة بالخروج من حدودها القديمة، وتوسع عمرانها واستقرت الحياة في أحياء جديدة. أحيانًا يبدأ التغيير الكبير من شيء بسيط ظاهرياً كتوفير الماء حيث يحتاجه الناس، فما نعتبره اليوم بديهياً كان يوماً فرحة لمدينة بأكملها.

إحياء التراث ورؤية المستقبل

في عام ٢٠٢١م، أطلق سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- مشروع «إعادة إحياء جدة التاريخية». يوقفني هنا مفهوم الإحياء؛ فالحفاظ على الروشان لا يكفي إذا غابت الحياة من خلفه، والحارة لا تُحفظ بالذاكرة وحدها، بل بالناس والعمل والحرفة، وبالقدرة على جعل الماضي حاضراً في مستقبل المدينة.

الميناء، والماء، والإحياء؛ ثلاث محطات مختلفة يجمعها أن أثر القرار الحقيقي لا يُقاس بلحظته، بل بما يفتحه من حياة بعده. وفي اليوم الوطني،تمتد الحكاية من جدة إلى وطن كامل؛ نفخر بالمملكة، بوحدتها وقيادتها، وبما صنعه أبناؤها عبر الأجيال، ونستحضر أن لكل جيل نصيبه من المسؤولية: أن يحفظ، وأن يبني، وأن يترك لمن بعده ما يستحق أن يُكمل. حفظ الله المملكة وقيادتها وشعبها، وكل عامٍ ووطننا بخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *