إن بداية كل عام ونهايته ليست مجرد أرقام تتسلسل على صفحات التقويم، بل تشكل محطات نسترجع فيها ماضينا، نقيّم حاضرنا، ونستشرف مستقبلنا.
ختام عام 1448 هجريًا وتبادل التهاني
نحن الآن نغلق الصفحات الثانية من عام 1448 هجريًا، وقد امتلأت وسائل التواصل بالأمنيات الصادقة والتهاني المتكررة بعام مبارك تُجدد فيه النعم، وتُحفظ فيه أوطاننا وأهلنا والمسلمون من كل مكروه. تبادلنا الرسائل وتذكرنا بذكريات عام مضى، كان سريع الزوال لكنه حمل في طياته أحداثًا وإنجازات وتحديات.
تاريخ الهجرة النبوية وأصول التقويم الهجري
قليلون هم الذين يرفعون في هذه المناسبة قصة التاريخ المجيد للهجرة النبوية التي استُقرت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، حين توسعت الدولة الإسلامية وظهر الحاجة إلى سجل رسمي للمراسلات والمعاملات. وبعد مشاورة الصحابة تم اختيار الهجرة كنقطة انطلاق للتقويم الإسلامي، إذ مثلت تحولًا جوهريًا من مرحلة الضعف إلى مرحلة بناء الدولة وتأسيس الحضارة.
على الرغم من وقوع الهجرة في شهر ربيع الأول، فقد عُين شهر المحرم كبداية لسنة الهجرة، لأنه كان أول شهر في الدورة العربية آنذاك.
معاني السنة الهجرية الجديدة
تُعد السنة الهجرية ليس مجرد إشارة زمنية، بل تحمل قيم التضحية والصبر والكفاح والثقة بالله. إنها تذكرنا بدولةٍ عظيمة انطلقت من هذه الأرض المباركة على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ثم امتد نورها إلى جميع الاتجاهات، حتى وصل عدد أتباع الدين اليوم إلى ما يقارب ملياري مسلم حول العالم.
عند مراجعة تفاصيل الهجرة التي بدأت بحذر وتخفي وخوف من بطش الأعداء، ندرك أن العقيدة الراسخة والصحبة الصالحة والثقة بالله هي ما صاغت أحد أعظم التحولات في التاريخ. فالهجرة لم تكن مجرد رحلة انتقال، بل مشروع أمة غير وجه العالم.
التقويم الهجري في الواقع السعودي
يُعد التقويم الهجري للمسلمين عامة، وللسعوديين خصوصًا، رمزًا دينيًا وحضاريًا عزيزًا، يرتبط بتاريخهم وهويتهم ووثائقهم الرسمية ومعاملاتهم إلى جانب التقويم الميلادي، ما يعكس عمق الصلة بتاريخ الإسلام ومناسباته العظيمة.
مع كل عام جديد، يجب أن نقف مع أنفسنا لحظة صادقة من المراجعة: نستعرض ما حققناه من نجاحات، وما أخفقنا في تحقيقه من طموحات، ثم نعيد ترتيب أولوياتنا سعيًا لتجاوز الأخطاء ومعالجة ما يمكن معالجته. فالأعوام ليست مجرد أرقام متسلسلة، بل أعمار تُقضى، وفرص تُتجدد، وأحلام تنتظر من يحولها إلى واقع.
في مملكتنا الحبيبة، المملكة العربية السعودية، نستقبل هذا العام ونحن، بفضل الله، نتمتع بالأمن والاستقرار والخيرات، ونشهد مسيرة تنموية سريعة وإنجازات متلاحقة تثير الفخر والاعتزاز، وتجعل التفاؤل بالمستقبل خيارًا يدعمه الواقع.
ليكن هذا العام محطة جديدة للعطاء والعمل والبناء، وفرصة لتجديد العزائم وتعزيز قيم الخير والإحسان. ما زالت أمامنا أيام كثيرة يمكننا أن نكتب فيها ما نفخر به لأنفسنا وللوطن ولأمتنا.
ونستذكر قول الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ). نسأل الله أن يجعل هذا العام مباركًا على وطننا وولاة أمرنا وأهلنا والمسلمين جميعًا. (اللهم زد بلادنا عزًا ومجداً، وزدنا بها عشقًا وفخرًا).





