تجليات صدمات الزمالة في الحرم الجامعي: بين التحديات والآمال

16/06/2026 23:01

انطلقت فكرة هذا المقال من تعليق أجرىه الزميل الدكتور محمد آل المزاح القحطاني، أستاذ اللغويات المشارك بجامعة الملك خالد، على مقال سابقة نشرته الجريدة تحت عنوان “التشافي من صدمات الطفولة”، حيث كتب فيه: “وكيف التشافي من صدمات الزمالة؟!” وقد لفتت هذه العبارة انتباهي لتصبح محور تأمل في البيئة الجامعية التي نقضي فيها فترات طويلة من حياتنا بين التدريس والبحث العلمي والمهام الإدارية وخدمة المجتمع.

الجامعة كمؤسسة بشرية

على الرغم من أن الجامعة تُعدّ منارة للعلم والمعرفة، فإنها في نهاية المطاف لا تزال كيانًا بشريًا، ومع بقاء البشر داخل أي مؤسسة تستمر الاختلافات والصراعات وسوء الفهم والتنافس في الظهور بأشكال متفاوتة. من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الحصول على أعلى الدرجات العلمية أو بلوغ مرتبة العلماء يحرّر الإنسان من نزوات النفس البشرية، أو من رغبته في المكانة والتأثير، أو حتى من مشاعر الغيرة والحسد المهني.

ومن المهم التنويه إلى أن ما سيُطرح لا ينبني على تجربة شخصية محددة، بل هو نتاج تأملات تشكلت عبر ما قرأته وسمعته وتبادلته في النقاشات الأكاديمية، وما توفره الحياة الجامعية من مواقف وخبرات متنوعة.

التحديات المتعددة داخل الحرم الجامعي

تتجلى التحديات في صور مختلفة داخل الجامعة؛ قد تظهر في المنافسة على المناصب الأكاديمية، أو في الخلافات المتعلقة باللجان والبرامج، أو في الاعتراض على تكليفات معينة أو توزيع الجداول أو مراقبة الاختبارات أو حضور المؤتمرات والفعاليات. كما تظهر في المواقف المرتبطة بالترقيات والتعيينات.

وتتجسد كذلك في النقاشات الخاصة بخطط طلاب الماجستير والدكتوراه واختيار عناوين أبحاثهم. إذ قد تتباين الرؤى العلمية بصورة طبيعية ومفيدة، لكن المشكلة تنشأ عندما يتحول الاختلاف العلمي إلى قناعة لدى بعض الأطراف بأن رأيه هو الوحيد الصواب، وأن خبرته أو مكانته الأكاديمية تمنحه حق فرض رؤيته على الآخرين.

تُظهر بعض التجارب أن انضمام أعضاء جدد إلى الأقسام العلمية قد يواجه اعتراضات وتحفظات تُقدَّم على أنها دفاع عن معايير القسم ومصلحته. لا شك في ضرورة حماية القسم العلمي واختيار الأكفأ دائمًا، إلا أن بعض التجارب أظهرت أن من يدّعون أنهم “حراس القسم العلمي” لم يثبتوا دائمًا مستوى علمي يوازي تلك الاعتراضات، بل أظهرت الأيام هشاشتهم وضعف خبرتهم، ما يثير تساؤلات حول كيفية تعيينهم أصلاً والمعايير التي استُخدمت في اختيارهم.

مجالس الأقسام العلمية والتحفظات

من الظواهر التي تستحق الوقوف عندها ما يحدث داخل مجالس الأقسام العلمية. فمن الطبيعي أن تختلف الآراء وتتنوع وجهات النظر، وهذا يُعدّ من دلائل الحيوية الأكاديمية. غير أن بعض الأعضاء قد يواصلون تمسكهم بتحفظاتهم على قرار اتخذته الأغلبية أو أقره المجلس وفق الإجراءات النظامية، معتقدين أن على القسم أو عمادة الكلية أو إدارة الجامعة أن تتبنى موقفهم وتلغي القرار استجابةً لتحفظاتهم الشخصية.

التسجيل للتحفظ حق مشروع وممارسة صحية، وقد يكون في بعض الأحيان ضرورة مهنية وأخلاقية. إلا أن العمل المؤسسي لا يُبنى على قبول كل تحفظ، بل على دراسة الآراء واتخاذ القرار وفق الأنظمة والصلاحيات والمصلحة العامة. فإذا أُخذت كل تحفظات الأعضاء في الاعتبار، قد تُعطَّل عمليات المجلس وتصبح القرارات أسيرة الاعتراضات الفردية، مهما كان عدد المؤيدين لها أو سلامة إجراءاتها.

صدمات الزمالة وأثرها الشخصي

من بين أكثر ما يسبب صدمات الزمالة هو تحول بعض الخلافات من إطارها العلمي أو الإداري إلى طابع شخصي، فيشعر الأكاديمي أن الاعتراض موجه إليه شخصيًا أكثر من كونه موجهًا إلى فكرته أو مقترحه. هنا تبدأ مشاعر الإحباط وخيبة الأمل، خصوصًا عندما تصدر هذه المواقف من زملاء يُفترض أنهم شركاء في المسيرة العلمية.

مع ذلك، لا ينبغي اختزال الصورة الأكاديمية في الخلافات والمواقف السلبية فقط. فالجامعات تزدهر بفضل أعضاء هيئة التدريس المخلصين لرسالتهم العلمية والإنسانية، الذين يقدمون العلم للطلاب بإخلاص ويتعاملون مع زملائهم بروح التعاون والاحترام، ويضعون مصلحة المؤسسة فوق الاعتبارات الشخصية.

هناك أمثلة كثيرة لأساتذة كرسوا وقتهم وخبراتهم لدعم زملائهم الأصغر سنًا أو الأقل خبرة، وللباحثين الذين بادروا إلى بناء شراكات علمية مثمرة، وللأكاديميين الذين تحملوا أعباء إدارية أو علمية إضافية خدمةً لقسمهم أو جامعتهم دون انتظار مقابل.

تتوافر في الجامعات نماذج مشرقة لعلماء جمعوا بين التميز العلمي ورفعة الخلق والتواضع الإنساني، فكانوا قدوة في العلم والسلوك معًا. هذه النماذج هي التي تحافظ على روح الجامعة الحقيقية وتمنح الأجيال الجديدة صورة متوازنة ومشرقة عن العمل الأكاديمي، وتؤكد أن الزمالة الصادقة والتعاون البنّاء لا يزالان من أهم ركائز النجاح في البيئة الجامعية.

من هذا المنطلق، فإن التشافي من صدمات الزمالة لا يعني إنكار المواقف المؤلمة أو التقليل من أثرها، بل يتطلب التعامل معها بوعي واتزان دون السماح لها بأن تصبح عدسة نرى من خلالها الجميع أو عبئًا يرافقنا في مسيرتنا المهنية. كما يستلزم إدراك أن قيمة الأكاديمي لا تحددها خلافات عابرة أو نتائج تصويت أو مواقف أفراد مهما ارتفعت مناصبهم، بل تتجلى في ما يقدّم من علم نافع، وما يتركه من أثر إيجابي، وما يبنيه على مدار سنوات عمله من سمعة مهنية قائمة على الكفاءة والأخلاق والإنجاز.

من الحكمة أن نتذكر أن الجامعة أكبر من الأفراد، وأن المناصب واللجان والقرارات، مهما بدت مؤثرة في لحظتها، تظل مراحل عابرة في مسيرة العمل الأكاديمي، بينما يبقى العلم النافع، والأخلاق الرفيعة، والزمالة الصادقة إرثًا لا يزول مع انتهاء المناصب أو تبدل الظروف.

إذا كانت صدمات الطفولة تحتاج إلى تشافٍ، فإن صدمات الزمالة تستلزم حكمة ونضجًا واتزانًا أكبر؛ فالإنسان لا يختار أسرته، لكنه يملك أن يختار كيف يتعامل مع تجاربه المهنية، وكيف يحوّل المواقف المؤلمة من عوائق تثقل مسيره إلى خبرات تصقل شخصيته وتثري تجربته وتعمق فهمه للناس والحياة. في النهاية، لا تُقاس قيمة الإنسان بما واجهه من خلافات أو عقبات، بل بما تركه من علم نافع، وأثر طيب، وسيرة مهنية كريمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *