يُستشهد كثيراً بأن التعليم هو أقوى وسيلة لتغيير المستقبل، لكن المراقبة الدقيقة للواقع تُظهر أن بعض المؤسسات التعليمية لم تعد تُؤدي دورها التقليدي في صقل العقول، بل تحولت إلى مسرح لتفادي الواجبات وتفريق المسؤوليات.
تبدل دور المعلم وتفريغ المسؤولية
المقولة السائدة أن المدرسة تُغرس الأحلام وتُبعد الأعباء لا تعكس الآن ما يحدث في كثير من الفصول؛ فبعض المعلمين يتقاعسون عن إرشاد الطالب إلى طرق التعلم الفعّال، ويُلقون بالمقابل المسؤولية على أولياء الأمور بمتابعة الواجبات وحلّها.
حين يواجه الطالب صعوبة في الفهم، لا يُعيد المعلم النظر في أسلوبه أو في منهجه التعليمي، بل يسرع إلى نصح الأهل باللجوء إلى دروس خصوصية كحل سريع.
إيقاع الواجبات يسبق قدرة الطفل على الاستيعاب
تُصبح سرعة توزيع الأعمال المنزلية وعدد المهام المطلوب إنجازها أعلى من قدرة الطفل على استيعاب المعرفة، وعند فشل الصغير في إتمام مسألة أو كتابة موضوع، يكون الرد الفوري هو إبلاغ الأهل بضرورة “المتابعة والتعاون”.
هذا السلوك يشبه الطبيب الذي يفحص مريضاً ثم يطلب من عائلته البحث عن الدواء بأنفسهم، أو سائق الحافلة الذي يطلب من الركاب تولي القيادة.
الأهالي يتحولون إلى معلمين بدوام جزئي
نتيجة لهذا النهج، يقع على عاتق الأهل عبء إضافي يتعدى المتابعة العادية؛ إذ يصبحون مشرفين ومراقبين يعملون ليل نهار، يفرغون الوقت لتفكيك المشكلات التعليمية وتحليل أخطاء أبنائهم، ثم يرسلون رسائل شكر للمعلمين على وسائل التواصل الخاصة بالمدرسة، بينما يُستنزف صبرهم وطاقتهم.
من يواسي هؤلاء الآباء الذين يجهدون دون جدوى؟ ومن يضمن رعاية الأطفال الذين يتأثرون بتقصير بعض المعلمين؟
من مسؤولية مشتركة إلى عبء متراكم
التعليم، بطبيعته، يجمع بين التربية والتعليم، لكنه يتحول في بعض الحالات إلى سباق لتفادي الواجبات؛ ينتقل الضغط من الإدارة إلى المدرسة، ثم إلى المعلم، ويستقر في النهاية كعبء ثقيل فوق أضعف حلقة في السلسلة: الطفل وأسرته.
ما يحدث لا يُعَدّ تعليماً بحد ذاته، بل هو إهمال متكرر للواجب المهني. وما يزيد الأمر خطورة هو أن لا شيء يمكن تعويضه سوى مستقبل الطفل.
دعوة إلى رفع مستوى الالتزام
مع العلم بجهود وزارة التعليم المستمرة لتطوير العملية التعليمية وبناء جيل واعٍ قادر على الإسهام في بناء المجتمع، يُؤمل أن يرتقي بعض المعلمين إلى مستوى الطموح الوطني، ولا يحولوا التعليم إلى جداول مهام جامدة ورسائل افتراضية فقط.
التعليم الحقيقي لا يقتصر على ملء الحقائب بالكتب والواجبات، بل يهدف إلى إشعال شغف الطفل وتغذيته بالأفكار لتصبح لديه القدرة على التفكير والقيادة في المستقبل القريب. لا ينبغي أن يكون هناك ضحية لمعلم لا يدرك جوهر مهمته.





