جيل الشاشات وتحديات المستقبل: دعوة لإطلاق برنامج وطني لبناء شخصية الشباب السعودي

14/07/2026 23:01

مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وانتشار التحديات الرقمية والنفسية والاجتماعية، يبرز سؤال جوهري حول جاهزية الأجيال الجديدة لمواجهة هذه المتغيرات. هل حان الوقت لتبني برنامج وطني شامل يُعنى بتأهيل الشباب والفتيات قبل التحاقهم بالجامعة أو سوق العمل؟

أبعاد الفكرة: من التدريب التقليدي إلى بناء الإنسان

غالباً ما يساء فهم الأفكار الجديدة، ومنها فكرة البرنامج الوطني لتأهيل الشباب. يختزلها البعض في تدريبات تقليدية، لكن جوهرها أعمق؛ فهي مشروع وطني لبناء الإنسان وتنمية قدراته الشاملة. ليست مجرد برنامج إضافي يستهلك الوقت، بل مشروع لبناء الشخصية وتعزيز الانضباط وتنمية المهارات الحياتية التي لا توفرها المناهج الدراسية وحدها. فالسؤال الحقيقي: هل المشكلة في الفكرة أم في الطريقة التي نتخيلها بها؟

لماذا يحتاج الجيل السعودي الجديد إلى تأهيل وطني؟

العالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، وتختلف التحديات التي سيواجهها الشباب جذرياً عن تلك التي عاشتها الأجيال السابقة. لم تعد المخاطر مقتصرة على الحروب والحدود، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني والأوبئة والكوارث الطبيعية وحروب المعلومات والجرائم الرقمية والأزمات الاقتصادية، إضافة إلى التحديات النفسية والاجتماعية الناتجة عن نمط الحياة الرقمي. في هذا السياق، لم يعد إعداد الشباب مقتصراً على تزويدهم بالمعرفة الأكاديمية، بل أصبح يتطلب تأهيلهم بالمهارات والقيم والجاهزية للتكيف مع المتغيرات وحماية أنفسهم والمساهمة بفاعلية في خدمة وطنهم.

نشأ جيل بأكمله داخل بيئة رقمية مفتوحة، يمتلك سرعة هائلة في الوصول إلى المعلومات، لكنه يفتقر غالباً إلى تجارب الحياة التي تبني الشخصية؛ مثل الصبر والانضباط وتحمل المسؤولية والعمل الجماعي ومواجهة الضغوط. وبالطبع، لا يمكن تعميم الصورة، فهناك نماذج مشرقة من الشباب حققوا إنجازات عالمية في التقنية والعلوم والرياضة وريادة الأعمال. لكن الحديث هنا عن ظاهرة اجتماعية أوسع، وليس عن استثناءات فردية.

لذا، السؤال الأهم ليس: هل شبابنا أذكياء؟ فهذا أمر لا خلاف عليه. بل: هل هم مستعدون بما يكفي لتحمل مسؤوليات وطن يتغير بهذه السرعة؟ في كل مرحلة تاريخية، سعت المجتمعات إلى صناعة المواطن قبل صناعة الموظف، لأن بناء الإنسان يسبق بناء الاقتصاد.

تصور مقترح: ماذا لو أصبح التأهيل الوطني برنامجاً متكاملاً؟

تخيّل أن يقضي كل شاب وفتاة بعد المرحلة الثانوية عدة أشهر في برنامج وطني متكامل، يتعلمون خلاله الانضباط والاعتماد على النفس والإسعافات الأولية وإدارة الأزمات والأمن السيبراني والقيادة والعمل التطوعي واللياقة البدنية ومهارات التواصل والعمل الجماعي. تخيّل أن يعود هذا الشاب إلى أسرته أكثر التزاماً وانضباطاً وقدرة على إدارة الوقت وتحمل المسؤولية. أليس هذا استثماراً حقيقياً في الإنسان؟ إننا ننفق مليارات الريالات على البنية التحتية والمشاريع العملاقة، لكن الاستثمار في بناء الشخصية الوطنية يبقى محدوداً. فالأمم لا تنهض بالمباني وحدها، بل بالإنسان الذي يديرها.

إن التأهيل الوطني ليس مجرد تدريب بدني، بل هو تأهيل لمواجهة الأزمات والإسعافات الأولية والأمن السيبراني والعمل التطوعي والقيادة والتواصل الفعال، وهي مهارات حياة قبل أن تكون مهارات عمل. أما الحديث عن الفتيات، فهو جزء أساسي من النقاش؛ فالمواطنة مسؤولية مشتركة، وبناء القدرات الوطنية لا يقتصر على الرجال. يمكن تصميم برامج وطنية تراعي خصوصية المجتمع السعودي وتمنح الفتيات فرصاً نوعية في مجالات يحتاجها الوطن، مبتكرة نموذجاً سعودياً يعكس قيم المجتمع ويستثمر في نصفه الآخر.

قد يعترض البعض بأن مثل هذه البرامج ستؤخر دخول الشباب إلى الجامعات أو سوق العمل. لكن لنتأمل: كم من خريج يحمل شهادة جامعية لكنه يعجز عن العمل ضمن فريق؟ وكم من موظف يمتلك المعرفة لكنه يفتقد الانضباط؟ وكم من شاب يملك المهارة التقنية لكنه لا يحتمل ضغط العمل؟ إن بناء الشخصية ليس خياراً تربوياً فحسب، بل هو أحد أهم عناصر التنمية. بضعة أشهر تُستثمر في صناعة الإنسان قد تكون أوفر للوطن من سنوات تُنفق لاحقاً في معالجة آثار ضعف الانضباط أو انخفاض الإنتاجية.

دعوة للنقاش: كيف نبني جيلاً جاهزاً للمستقبل؟

لا يمكن الادعاء بأن برنامجاً وطنياً للتأهيل هو الحل السحري لكل التحديات، ولا أن تطبيقه يجب أن يكون إلزامياً أو بصيغة محددة. لكن ما يستحق النقاش هو المبدأ ذاته: كيف نبني جيلاً أكثر جاهزية للمستقبل؟ المملكة تمضي بخطى متسارعة نحو اقتصاد معرفي ومشروعات عالمية ومدن ذكية واستحقاقات دولية كبرى. كل ذلك يحتاج إلى مواطن يمتلك ليس فقط المعرفة، بل أيضاً الانضباط والمرونة وروح المبادرة والاستعداد لخدمة وطنه في كل الظروف.

يبقى السؤال مفتوحاً أمام المجتمع: إذا كانت المدرسة تبني المعرفة والجامعة تبني التخصص، فمن يبني الشخصية الوطنية الجامعة التي يحتاجها وطن بحجم طموحات المملكة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي دراسات متخصصة وحواراً مجتمعياً واسعاً وتصميم برامج مرنة تتوافق مع احتياجات المملكة، وتعزز الاستثمار في الإنسان بوصفه الركيزة الأولى للتنمية المستدامة وأحد ركائز رؤية السعودية 2030.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *