القرى السعودية.. حين كانت المجتمع أسرة واحدة والتربية جماعية

02/06/2026 11:01

في زمن مضى، كانت القرية أشبه بأسرة واحدة متماسكة، حيث كان الكبار جميعهم آباء وأمهات للصغار، فالأم كانت تربي أبناءها على تقدير واحترام كل رجال القرية ونسائها، وتقول لهم “هذا أبوك فلان” و”هذه أمك فلانة”. وإذا أراد الطفل الإشارة إلى والده البيولوجي، قال “أبوي”، وإذا قصد غيره من الرجال، قال “أبوي فلان”، وكذلك الأمر مع النساء، فيقول “أمي فلانة”. لم تكن هذه مجرد ألفاظ عابرة، بل تجسد ثقافة مجتمعية عميقة تعكس حجم الترابط بين سكان القرية.

جذور تربوية في القرآن الكريم

هذه التربية الصحيحة والمتجذرة في الثقافة العربية والإسلامية لا تتعارض مع الشرع، بل يؤيدها القرآن الكريم. يقول الله تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ۖ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) [البقرة: 133]. وفي هذه الآية الكريمة، عُدَّ إسماعيل عليه السلام من آباء يعقوب عليه السلام رغم أنه عمه وليس أباه المباشر، مما يدل على أن لفظ “الأب” في العربية يتسع ليشمل العم من باب التكريم والانتساب العائلي. ومن هذا المنطلق، لم يكن مناداة كبار السن بـ “أبوي فلان” و”أمي فلانة” خلطاً للأنساب أو تغييراً للحقائق، بل أسلوباً تربوياً راقياً يرسخ الاحترام ويعزز التلاحم الاجتماعي ويغرس في نفوس الأبناء أن المجتمع أسرة واحدة.

أبواب مفتوحة وتربية جماعية

وكانت أبواب البيوت مشرعة من شروق الشمس إلى غروبها، لا تُغلق في وجه طفل ولا يُستغرب دخول صغير أو خروجه من أي منزل. يتنقل الأطفال بين البيوت كما يتنقلون بين غرف بيت واحد، يأكلون هنا ويلعبون هناك ويحظون بالرعاية والاهتمام من الجميع. فإذا أخطأ أحدهم، وجد من يوجهه ويؤدبه من رجال أو نساء القرية، وإذا احتاج إلى شيء، وجد من يعينه دون تردد. ولم يكن الأبوان يشعران بالقلق على أبنائهما كما هو الحال اليوم، فكل عين ساهرة على سلامة الأطفال ورعايتهم. هذه التربية الجماعية كانت تصنع جيلاً يحترم الكبير ويوقر الجار ويشعر بالمسؤولية تجاه مجتمعه.

القرية.. مدرسة الحياة الأولى

ومن أجمل ما تميزت به تلك البيئة أن الطفل كان يتعلم عملياً معاني التعاون والإيثار والكرم والصدق. يرى الرجال مجتمعين في أعمال الزراعة والبناء والحصاد، ويرى النساء متعاونات في المناسبات والأفراح والأتراح، فتترسخ هذه القيم في وجدانه دون حاجة إلى دروس أو محاضرات. لقد كانت القرية مدرسة مفتوحة، سورها الأخلاق، ومناهجها القدوة الحسنة، ومعلموها جميع رجال ونساء القرية الذين حملوا هم تربية الأجيال. ومن رحم تلك القرى خرج رجال ونساء حملوا قيم الوفاء والشهامة والصدق، وظلت ذكرياتهم شاهدة على زمن جميل كانت فيه المحبة نظاماً اجتماعياً والتكافل أسلوب حياة، وكان الطفل بحق “ابن القرية” قبل أن يكون ابن أسرته وحدها. رحم الله ذلك الزمن الجميل، وأدام في مجتمعنا ما بقي من تلك القيم الأصيلة التي صنعت أجيالاً ما زالت آثار تربيتها المباركة حاضرة في النفوس إلى اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *