تشهد حقول الزيتون في تونس موسماً محفوفاً بالمخاوف، إذ يترقب المزارعون تراجعاً في المحصول بسبب الجفاف وانقطاع الكهرباء، بينما تتجه الأنظار إلى الأسعار العالمية التي قد تعوض جزءاً من الخسائر. ومع اقتراب موسم الجني، تتقاطع تحذيرات الخبراء والنقابيين من تداعيات المناخ وتحديات التمويل والتخزين، مع دعوة البنك المركزي التونسي إلى توفير السيولة اللازمة للمزارعين وأصحاب المعاصر والمصدرين.
توقعات المحصول بين التفاؤل والحذر
يقول الخبير في السياسات الزراعية فوزي الزياني للأناضول: “في تقديري، إذا وصلنا إلى ما بين 200 ألف طن و250 ألف طن من زيت الزيتون، أي نصف محصول الموسم الماضي، نكون قد حققنا نتائج هامة”. ويوضح أن هذه التوقعات تعتمد على الزيتون المروي، فيما أصبح الزيتون البعلي – المعتمد على الأمطار – مهدداً بالتيبس جراء ارتفاع الحرارة وخريف لم يشهد أمطاراً كافية في مناطق زراعته.
ويضيف الزياني أن الأمطار هطلت في شمال تونس ومنطقة قبلي جنوب غرب البلاد، لكنها لم تشمل مناطق إنتاج الزيتون الرئيسية مثل سيدي بوزيد وصفاقس والقيروان ومنطقة الساحل التي تضم ولايات سوسة والمنستير والمهدية. ويعزو ذلك إلى التغيرات المناخية التي تتجلى في عدم انتظام الأمطار وانتقالها بين المناطق، مشيراً إلى أن مناطق في ولاية الكاف شمال غرب البلاد كانت معروفة بأمطار وفيرة لكنها أصبحت جافة الآن.
تحديات المناخ والكهرباء
دعا الزياني إلى التكيف مع التغيرات المناخية من خلال المحافظة على المياه وترشيد الغراسات واعتماد الري التكميلي، ونقل بعض الزراعات إلى مناطق أخرى. واعتبر أن التعداد الفلاحي المرتقب الذي أعلنت عنه وزارة الفلاحة قد يساعد في هذا الاتجاه إذا أُحسن استغلال نتائجه.
ويوضح الزياني أن إنتاج الزيتون المروي كان يمكن أن يكون أفضل لولا اضطراب إمدادات الكهرباء في الصيف، مما أربك تشغيل مضخات الري، مضيفاً: “أنا مثلاً كفلاح تضررت”. وينتقد غياب التقديرات الرسمية للمحصول، معتبراً أن ذلك يفتح المجال أمام المضاربات ويضر تونس، وسط تداول تقديرات بشأن إنتاج دول أخرى – خصوصاً إسبانيا – للتأثير على الأسعار.
ويشير إلى أن الدول المنتجة تقدم عادة تقديرات أولية في يوليو ونهائية في سبتمبر، لكن وزارة الفلاحة التونسية توقفت عن اتباع ذلك منذ ثلاث سنوات. ويضيف أن مسؤولين بالوزارة توقعوا في يوليو الماضي إنتاج نحو 300 ألف طن، قد يرتفع إلى 350 ألفاً إذا هطلت أمطار الخريف، لكن الجفاف وموجة الحر حالا دون ذلك. ويؤكد الزياني أن الموسم الماضي كان استثنائياً، وأن تراجع المحصول هذا العام متوقع، مشدداً على أن الدولة وحدها تمتلك الوسائل الكافية لتقديم تقديرات علمية.
الأسعار المرتقبة وتأثير السوق العالمية
توقع الزياني ارتفاع الأسعار مقارنة بالموسم الماضي بفعل الطلب المحلي والعالمي، إذا أحسن المزارعون التصرف في إنتاجهم. ويشير إلى الطلب من الولايات المتحدة وكندا والأردن والسعودية والعراق، معتبراً أن انخفاض المحصول واستمرار الطلب يدعمان توقعاته بارتفاع الأسعار. ويحذر من محاولات خارجية لتبخيس أسعار الزيت التونسي عبر تمرير أرقام غير صحيحة، ومن وجود أطراف محلية تستفيد من خفض الأسعار.
ويشكك الزياني في تقديرات متداولة عن إنتاج إيطاليا، معتبراً أن الحديث عن إنتاجها 250 ألف طن غير صحيح، بينما يبلغ استهلاكها 400 ألف طن. ويقول إن الأسعار قد تبدأ بمستويات غير مرتفعة لكنها سترتفع لاحقاً، داعياً إلى مساعدة المزارعين على التخزين الذاتي والتحكم في بيع إنتاجهم لمواجهة محاولات شراء كميات من الزيت عالي الجودة بأبخس الأثمان.
من جانبه، قال رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة في القيروان المولدي الرمضاني إن انطلاق موسم جني الزيتون بالولاية حُدد في 26 أكتوبر الجاري. وأوضح في تصريحات لإذاعة “صبرة أف أم” المحلية أن الاتحاد طرح خلال جلسة عمل بالولاية إشكاليات تتعلق بالمرجين – وهو من مخلفات العصر – وظروف عمل المعاصر، وتوفير العمالة والتمويل والتخزين.
وأكد الرمضاني أهمية القطاع للاقتصاد الوطني باعتباره مصدراً للثروة والعملة الصعبة، مشيراً إلى ارتباط أسعار الزيتون وزيته بتطورات السوق العالمية وحجم الإنتاج. وأضاف أن إسبانيا تتجه – وفق تقديراتها – لإنتاج نحو مليون و261 ألف طن هذا الموسم، بينما لم تعلن تونس تقديراتها النهائية، وسط تداول معطيات تشير إلى تراجع الإنتاج بنحو 40 بالمئة مقارنة بالموسم الماضي. وشدد على أن توجيه الجزء الأكبر من الإنتاج التونسي للتصدير يجعل الأسعار رهينة السوق العالمية ومستويات الإنتاج لدى أبرز الدول المنتجة.
التمويل المصرفي لدعم الموسم
من جانبه، دعا البنك المركزي التونسي البنوك والمؤسسات المالية إلى مضاعفة جهودها لتوفير التمويل لمختلف المتدخلين في منظومة زيت الزيتون، بمناسبة انطلاق موسم 2026-2027. وأكد البنك – وفق وكالة الأنباء التونسية في 19 أكتوبر الجاري – في مذكرة وجهها إلى المؤسسات المالية، حرصه على دعم القطاعات الإنتاجية ودفع الاستثمار والتنمية. وشدد على مواصلة تمويل القطاع ضمن استراتيجية مستدامة، وتوفير السيولة للمزارعين وأصحاب المعاصر والمصدرين لتلبية احتياجاتهم في مراحل الجني والعصر والتخزين والتصدير.
يمتد موسم جني الزيتون في تونس من أكتوبر إلى مارس من العام التالي بحسب المساحات وحجم المحصول، فيما يبدأ العصر أواخر أكتوبر ويستمر حتى مارس، ويمتد موسم التصدير من نوفمبر إلى أكتوبر من العام التالي. وبذلك تتعلق توقعات تراجع المحصول بالموسم الجديد 2026-2027، الذي يبدأ الجني فيه خلال أكتوبر الجاري ويستمر حتى مارس 2027، بينما تعكس بيانات الصادرات المتاحة فترات سابقة لبدء جني المحصول الجديد.
وبحسب بيانات نشرها المعهد الوطني للإحصاء منتصف أكتوبر، بلغت قيمة صادرات زيت الزيتون حتى نهاية سبتمبر 2026 نحو 4 مليارات دينار تعادل 1.33 مليار دولار، مقابل 2.9 مليار دينار تعادل 966.6 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بنمو نسبته 37.4 بالمئة. وتخص هذه المقارنة قيمة الصادرات خلال فترتين متماثلتين من عامين ميلاديين، ولا تمثل حصيلة الموسم الجديد أو تقديراً لحجم إنتاجه.
أما بيانات وجهات التصدير فتغطي الفترة من نوفمبر 2025 إلى نهاية أغسطس 2026، ضمن الموسم التصديري 2025-2026 الذي ينتهي في أكتوبر الجاري، قبل انطلاق الموسم التصديري الجديد في نوفمبر المقبل. وخلال تلك الفترة استحوذت إسبانيا على 31.9 بالمئة من صادرات زيت الزيتون التونسي، تلتها إيطاليا بنسبة 19.8 بالمئة، والولايات المتحدة بنسبة 19.3 بالمئة، وكندا بنسبة 4.9 بالمئة، وفق إحصاءات المرصد الوطني للفلاحة.






