انطلقت مياه عذبة من بئرٍ جديدة في أراضي قبيلة شهاب القريبة من قرية الحمراء الواقعة على بُعد حوالي خمسة وأربعين كيلومتراً من عدن، في زمنٍ كان فيه الأخير تحت الحكم البريطاني في أوائل الخمسينيات. وفي ذلك الوقت، كان البلاط السلطاني في لحج، تحت قيادة السلطان عبد الكريم، يلتقي في القصر الأبيض جنوب العاصمة الحوطة لمناقشة مسودة دستور السلطنة اللحجية.
الاهتمام بالمياه في بستان الحسيني
كان الحضور في المجلس يشعرون بفرح كبير، إذ كان بستان الحسيني الواسع قد شهد في تلك السنوات وفرةً في المحصول. وكان التركيز الأساسي للمجتمع هو تأمين إمدادٍ مائيٍ كافٍ لهذا البستان، إذ تُعَدُّ المياه موردًا ثمينًا عندما تكون متوفرة، وتصبح مشكلةً جسيمة عندما تغيب.
نزاع الملكية على العين الجديدة
ثم جاء محور النقاش حول العين التي برزت في أراضي آل شهاب. أصر السلطان على أن تكون هذه العين مملوكةً له شخصيًا، غير أن آل شهاب أبدوا اعتراضهم. في اليوم التالي، أرسل السلطان عبيده لتوجيه مجرى المياه نحو القنوات التي تسقِي أراضيه الخاصة. ولكن ما وقع كان غير متوقع؛ فالعين توقفت عن الظهور.
محاولة حل النزاع وتوزيع الحقوق
عند انعقاد مجلس الديوان السلطاني في اليوم التالي، عبّر السلطان عن أسفه وسأل عن حلول محتملة. ردّ أحد الوزراء البارزين قائلاً إن مسودة الدستور التي نوقشت مؤخرًا قد أصبحت اختبارًا للسلطان، واقترح تقسيم حق استعمال العين على ثلاث فترات: أسبوع لآل شهاب، أسبوع للسلطان، وأسبوع للأراضي العامة. قبل السلطان هذا الاقتراح وأمر ممثله بإبلاغ أهل آل شهاب.
العودة إلى الجريان وتذكّر القصة
وصل المندوب إلى قرية الحمراء في نصف ساعة، واستُقبل بحفاوة من سكانها ثم توجّه إلى منزل آل شهاب. بعد التحية، سألهم عن مطلبهم، فأجاب كبير العائلة بأنهم قد وفوا بحقوقهم. ثم نقل إليهم ما قاله السلطان من موافقة على الخطة. وبفضل دعاء آل شهاب، عادت المياه إلى التدفق مرة أخرى.
تُروى هذه الحكاية من قبل زوجة عم الكاتب، التي توفيت مؤخرًا، وقد روتها في 18/1/1438هـ. لا يعرف الكاتب ما حدث بعد ذلك، لكنه يذكر أنه في صباه زار بستان الحسيني في لحج الخضيرة ربما في عام 1962م، ولا يزال يتذكر أشعة الشمس التي كانت تتخلل الظلال كالسهم بين الأشجار.
كما عاد إلى بستان الحسيني مرة أخرى في عام 1990م، قبل توحيد اليمن بأشهر قليلة، ولاحظ أن الشمس ساطعة وتظل الأشجار كالسهم مرة أخرى. وفي عام 1448هـ، أي ما يعادل أكثر من ثمانين عاماً منذ انبجست العين، بقيت المسافة بين النبع المتوقف وبستان الحسيني حوالي خمسة كيلومترات. وأفاد بعض المطلعين أن البستان قد عانى من الجفاف وانقرضت الظلال التي كان يوفرها.





