لماذا يقدم بعض الناس العطاء دون انتظار مقابل

15/06/2026 11:01

تشير الدراسة إلى أن الأشخاص يتوقعون مبادلة الكرم عندما تكون العلاقة بين الطرفين متكافئة، مثل الصداقة أو العمل كزملاء أو كأقران.

في العلاقات المتساوية

في هذه الحالات ينظر إلى العطاء على أنه عملية تبادل، حيث يفترض أن يرد الطرف الآخر الجميل في مناسبة لاحقة. استند الباحثون إلى سلسلة من التجارب طلبوا فيها من المشاركين تقييم مواقف يومية تتضمن أفعالاً بسيطة من الكرم، مثل دفع ثمن القهوة أو إعداد وجبة أو التنازل عن تفضيل شخصي. وعندما يكون الطرفان على مستوى اجتماعي أو مهني متقارب، توقع المشاركون أن يتبادل الطرفان أدوار العطاء في المستقبل.

التأثير الهرمي على العطاء

لكن التوقعات تتغير عندما يوجد فارق في المكانة أو السلطة، كأن تكون العلاقة بين رئيس وموظف أو مرشد ومتدرب أو عم وابن أخيه. في هذه الظروف لم يتوقع المشاركون أن يرد المتلقي الجميل، بل افترضوا أن من بادر بالعطاء سيستمر في تقديمه مرة أخرى. وقد لوحظ أن هذا النمط يظهر بغض النظر عن من هو الأعلى مكانة؛ سواء كان الرئيس هو أول من قدم المساعدة أو الموظف، بقيت التوقعات تدور حول استمرار المانح نفسه في العطاء. يرى الباحثون أن وجود تباين في المرتبة يغير طريقة تفسير السلوك الكريم، إذ لا يُنظر إليه كتبادل متكافئ، بل كجزء من طبيعة العلاقة أو الدور الذي يؤديه أحد الطرفين.

التحقق من التوقعات عبر التجارب

لم تقتصر الدراسة على استطلاعات الرأي أو التوقعات النظرية، بل شملت تجارب استخدمت مكافآت مالية حقيقية لاختبار ما إذا كان الناس يتصرفون بنفس الطريقة عندما تكون مصالحهم الشخصية على المحك. خلال هذه التجارب شارك أفراد في ألعاب تنسيق واتخاذ قرارات مع شركاء افتراضيين وُصفوا بأنهم يتمتعون بمكانة أعلى أو مساوية أو أقل منهم. أظهرت النتائج أن المشاركين اتبعوا النمط ذاته؛ ففي العلاقات غير المتكافئة افترضوا أن المانح الأول سيبقى الطرف الأكثر عطاءً، بينما كانوا أكثر استعدادًا لتبادل الأدوار عندما تكون العلاقة متساوية. وحتى عندما كان تبادل الأدوار قد يؤدي إلى مكاسب مالية أقل، ظل المشاركون يميلون إلى المعاملة بالمثل في العلاقات المتساوية فقط.

تشكيل التوقعات بسرعة

قد تساعد هذه النتائج على فهم ظواهر اجتماعية شائعة يلاحظها كثير من الناس في حياتهم اليومية، مثل وجود أشخاص يقدمون الدعم والمساعدة باستمرار دون أن يحصلوا على القدر نفسه من الاهتمام أو المساندة. وفقًا للباحثين، لا يعني ذلك بالضرورة أن الطرف الآخر أناني أو غير ممتن، بل قد يكون انعكاسًا لتوقعات اجتماعية غير واعية تشكلت مع الوقت نتيجة طبيعة العلاقة أو التفاوت في الأدوار والمكانة. كما تتوافق هذه النتائج مع ملاحظات سابقة في علم الأنثروبولوجيا، أظهرت أن الهدايا والمساعدات في العديد من الثقافات تتدفق أحيانًا في اتجاه واحد داخل العلاقات الهرمية، ليس بهدف التبادل المباشر، بل للحفاظ على العلاقة نفسها.

تشكيل صورة العلاقة من خلال فعل واحد

من أبرز نتائج الدراسة أن فعلًا واحدًا من الكرم قد يكون كافيًا لتشكيل صورة جديدة عن العلاقة. فبمجرد أن يقدم أحد الطرفين مساعدة أو دعمًا، يبدأ الآخرون في بناء توقعات مستقبلية اعتمادًا على هذا السلوك. ويشير الباحثون إلى أن الدماغ قد يتعامل مع هذا التصرف باعتباره معيارًا جديدًا للعلاقة، ما يجعل الناس يتوقعون تكراره مستقبلا حتى لو كان مخالفًا لما كانوا يتوقعونه سابقًا. وتعني هذه النتيجة أن بعض العلاقات قد تدخل سريعًا في نمط غير متوازن، حيث يصبح أحد الطرفين معطاءً باستمرار بينما يتحول الطرف الآخر إلى متلقٍ دائم، دون أن يشعر أي منهما بوجود خلل واضح في العلاقة.

ملخص النتائج الرئيسية

تلخص الدراسة عدة نقاط أساسية: يظهر رد الجميل بوضوح في العلاقات المتكافئة؛ أما العلاقات الهرمية فتبع قواعد تختلف عن الصداقات والزمالات؛ يتوقع أن يستمر المانح الأول في العطاء مستقبلا؛ يمكن لفعل واحد من الكرم أن يعيد تشكيل توقعات العلاقة بالكامل؛ ثبت هذا النمط حتى في التجارب التي تضمنت مكافآت مالية حقيقية؛ تساعد النتائج على تفسير بعض العلاقات غير المتوازنة التي يواجهها الناس في الحياة اليومية؛ وقد يؤثر التفاوت في المكانة على توقعات العطاء أكثر من تأثير الكرم نفسه؛ ويدعو الباحثون إلى إعادة النظر في مفهوم المعاملة بالمثل كقاعدة لا تنطبق على جميع العلاقات بالدرجة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *