الذهب يتداول قرب 4400 دولار وسط توترات الشرق الأوسط وعدم وضوح السياسة الأميركية

عوامل الضغط على الذهب

يشهد المعدن الأصفر حركة محدودة حول مستوى 4400 دولار، مع هدوء نسبي في حجم التداول. يعزى هذا الاستقرار الجزئي إلى مزيج من المتغيرات السلبية التي تنبع بشكل رئيسي من عدم وجود أفق قريب لتسوية النزاع في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مخاطر التصعيد التي تغذي ارتفاع عوائد السندات عالمياً. يضاف إلى ذلك احتمال تجديد قيود سيولة شديدة تستهدف الاستثمارات، سواء من المنطقة أو من آسيا.

تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

تشكل تطورات المنطقة حالياً اختباراً للفرضية التي اعتمدنا عليها لتوقع مسار السوق على الأجل القصير، والتي تفترض استمرار حالة “لا حرب ولا سلام” تؤدي إلى تحركات جانبية للسلع المرتبطة مباشرة بالنزاع. بدأت الموجة الأخيرة من التصعيد بمناوشات محدودة، ثم وصلت إلى مرحلة استهدفت فيها إيران مباشرة سفن حربية أمريكية، بينما ردت واشنطن بإغراق وتدمير ناقلات نفط إيرانية تشكل شريان حياة للاقتصاد الإيراني، إلى جانب تشديد الحصار الاقتصادي والبحري.

تأثير السياسات الأمريكية والسيولة

كان افتراض الحالة الرمادية سابقاً يرتكز على احتمال أن يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتخفيف هذه الجبهة لخفض تكاليف الطاقة قبل انتخابات التجديد النصفي. لكن أكبر تهديد لهذا الافتراض يكمن في تحول سلوك إيران من الهجمات المحسوبة إلى الضربات التصعيدية، وهو ما نلاحظه اليوم. رغم أن إيران لم تصب بعد القوارب البحرية الأميركية، إلا أن نجاحها في ذلك مستقبلاً – كما أشار مسؤولون أميركيون لصحيفة وول ستريت جورنال – قد يطلق موجة تصعيد هائلة ذات عواقب وخيمة.

يظهر ترامب أنه يراهن على مواجهة التضخم المرتفع وسط ارتفاع متوسط سعر البنزين إلى حوالي 4.22 دولار للغالون، وتقارب سعر الديزل مع مستوياته التاريخية عند نحو 6 دولارات في المتوسط. اعتمد على وعده ليلة أمس بمنح كل مواطن أمريكي خمسة آلاف دولار في حال فوز الحزب الجمهوري بالانتخابات، بالإضافة إلى تعهده بإنهاء الحرب فور انتهاء الاقتراع. كما يبدو أنه يسعى للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي مع إضعاف إيران إلى أقصى درجة ممكنة.

إذا صحت هذه الفرضية، فإن استمرار القتال بالوتيرة الحالية ينطوي على خطر كبير يتمثل في احتمال خروج الصراع عن السيطرة وتوسيع نطاق اضطراب الإمدادات عبر استهداف منشآت ومسارات التصدير في إيران أو دول الخليج. كما أن تسارع التصعيد داخل جبهة اليمن واستهداف المملكة العربية السعودية يزيد من احتمالات اضطراب الإمدادات.

آفاق السوق والتوقعات

عند عودة الفترات الهادئة التي تخلو من المناوشات، قد تتجدد الحالة الرمادية مجدداً، مما يبقي السوق محصورة في نطاقات عرضية. من جهة أخرى، فإن الاضطراب الإقليمي في ظل غياب أفق للتسوية وهيمنة مناخ التصعيد قد يعيد فرض قيود على السيولة كانت متوقعة أن تتجه نحو الذهب، وذلك بسبب تراجع العديد من العملات الآسيوية مرة أخرى، لاسيما الروبية الهندية، مما يجعل المعدن أكثر تكلفة، إضافة إلى تفضيل المستثمرين والأفراد للسيولة النقدية بالعملات المدعومة بالدولار في الشرق الأوسط.

من الناحية المقابلة، يحصل الذهب على دعم إضافي في الوقت الراهن من مخاوف المستثمرين، خاصة في أسواق النقد، حيال عدم وضوح اتجاهات السياسة الأمريكية. فقد أثار إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن تسريع استرداد سندات الخزانة طويلة الأجل ليصل إلى ستة مليارات دولار خيبة أمل وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال. كما أشار مايكل لوريزيو من شركة مانولايف لإدارة الاستثمارات في تصريح للجريدة إلى أن التساؤلات حول حجم عمليات الاسترداد المستقبلية قد تضغط على السوق على المدى الطويل، موضحاً أن الأسواق المالية تنفر من الغموض وأن مثل هذا التدخل يزيد من هذه الحالة.

لا يقتصر أثر عدم اليقين تجاه السياسات على تقليل تأثير العوائد المرتفعة على الذهب مع مرور الوقت، بل قد يشكل حافزاً إضافياً للبنوك المركزية لتسريع التخلي عن احتياطيات الدولار والتوجه نحو عملات أخرى والذهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *