وساطة إيطالية وأمريكية لإحياء مفاوضات سد النهضة بين مصر وإثيوبيا

11/09/2026 10:24

فتحت إيطاليا مسارًا دبلوماسيًا جديدًا لمحاولة حل أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، معلنة استعدادها للتوسط بين البلدين، وذلك في إطار تحركات دولية تهدف إلى إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات التي توقفت منذ عام 2024.

ويأتي التحرك الإيطالي لينضم إلى مساعٍ أمريكية بدأت في يناير 2026، حين أرسل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابًا إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف الوساطة والتوصل إلى حل نهائي وعادل للأزمة. وفي يونيو الماضي، جدد ترامب هذا التوجه خلال لقائه بالسيسي، مؤكدًا وساطته لإنهاء الأزمة، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية آنذاك.

إعلان إيطالي بالوساطة

وأعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، في مطلع سبتمبر الجاري، استعداد بلاده للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصل إلى حل لأزمة المياه. وخلال مؤتمر صحفي عقده مع نظيره المصري بدر عبد العاطي في القاهرة، قال تاياني إن بلاده مستعدة للاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل. وأضاف أن إيطاليا مستعدة لتيسير حوار بين البلدين في روما خلال الأسابيع المقبلة، إذا رغب الطرفان في ذلك، بحسب وسائل إعلام مصرية.

إلى جانب المسارين الإيطالي والأمريكي، تلقت القاهرة دعمًا صريحًا من بكين بشأن أمنها المائي. فخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، أكدت الصين، في بيان مشترك صدر في 2 سبتمبر الجاري، حق مصر في حماية أمنها المائي، وأيدت التزام دول حوض النيل بالقانون الدولي.

خلافات مستمرة حول السد

وتختلف مصر وإثيوبيا منذ سنوات بشأن سد النهضة، الذي بدأت أديس أبابا في إنشائه على النيل الأزرق عام 2011. وتطالب القاهرة بالتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيل السد بما يضمن أمنها المائي. وأدى الخلاف إلى تجميد المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا لمدة ثلاث سنوات، قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجددًا في 2024.

وتطالب القاهرة والخرطوم بالتوصل أولًا إلى اتفاق ثلاثي قانوني وملزم بشأن قواعد ملء السد وتشغيله، بما يضمن عدم الإضرار بحقوقهما ومصالحهما المائية. في المقابل، ترى إثيوبيا أن تشغيل السد لا يستلزم توقيع اتفاق ملزم، وتؤكد أنها لا تعتزم الإضرار بمصالح أي دولة أخرى.

وفي 20 أغسطس الماضي، أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي رفض بلاده إقامة سدود إثيوبية جديدة على نهر النيل، مشددًا على حق الدفاع الشرعي عن مصالحها وأمنها المائي.

تصريحات مسؤولين مصريين سابقين

وفي تصريحات للأناضول، رأى مسؤولان مصريان سابقان أن علاقات روما الجيدة مع القاهرة وأديس أبابا قد تساعد في تقريب وجهات النظر، شريطة وجود إرادة إثيوبية للتوصل إلى اتفاق يحقق مصالح الجميع، بما يضمن التنمية لإثيوبيا وعدم المساس بالحقوق المائية لمصر.

وقال رئيس الوفد الفني المصري الأسبق بمفاوضات سد النهضة حسام مغازي إن بعض الدول الصديقة مثل الولايات المتحدة أو إيطاليا تحاول نزع فتيل هذه الأزمة، خاصة في ظل تصريحات صادرة عن مسؤولين إثيوبيين حول بناء سدود جديدة والتحكم في المياه، وهي تصريحات تثير حفيظة دول المصب مصر والسودان. وأوضح مغازي أن إيطاليا لها علاقات ممتازة مع مصر وعلاقات تاريخية طيبة مع الجانب الإثيوبي، مما يجعلها شريكًا محتملاً في تقريب وجهات النظر. ورجح أن إعلان إيطاليا عن هذه المساعي جاء بعد الحصول على الضوء الأخضر من الجانبين الإثيوبي والمصري. لكنه استدرك بأن سعي إثيوبيا لخلق منافذ لها على القرن الإفريقي والبحر الأحمر قد يزيد الأمور تعقيدًا. وأضاف أن دخول إيطاليا على خط الأزمة ربما يكون أكثر إيجابية، وقد تتفاعل معه إثيوبيا لتحسين صورتها الخارجية ولتظهر بمظهر الجاد. وتابع أن النوايا ستتضح بعد ذلك، وستسفر عنها الأسابيع المقبلة.

من جانبه، رأى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية صلاح حليمة أن الحراك الدولي من أطراف ذات وزن وتأثير استراتيجي يشكل في مجمله ضغوطًا قوية وحقيقية على الجانب الإثيوبي، مشيرًا إلى رسائل الصين غير المباشرة والتحرك الإيطالي إلى جانب ما عبر عنه ترامب علنًا. وعن توقيت التوصل إلى حل، قال حليمة إن تسوية أزمة سد النهضة لن تتطلب أكثر من بضعة أشهر إذا توافرت لدى إثيوبيا الإرادة السياسية الصادقة للاستجابة للحقوق المشروعة وفق القانون الدولي والاتفاقيات المائية. وأضاف أن الحل يتطلب أيضًا توجهًا إثيوبيًا نحو بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة واحترام القوانين المنظمة. وشدد على أن صفحة قضية السد الإثيوبي لن تطوى أبدًا، وأن مصر لن تصمت على حقوقها المائية الوجودية، وستعتبر أي تهديد لها عدوانًا صريحًا يجب دفعه ودرؤه بكافة السبل قبل وقوعه. واعتبر حليمة أن كثرة الوساطات تعني أن المجتمع الدولي يدرك أن المرحلة المقبلة تتطلب منتهى الجدية والحسم. وأضاف أنه إذا لم تقبل إثيوبيا وتجاوبت بالرفض، فإن المرحلة الثالثة والأخيرة ستكون باللجوء المباشر إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السادس من ميثاق المنظمة الدولية. وتابع أنه في حال فشل المسار السلمي، فإن مصر قد تلجأ إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، استنادًا إلى حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51، معتبرًا أن أي تهديد للأمن المائي يسبب أضرارًا جسيمة لدول المصب يعد عدوانًا يتعين درؤه ومنعه قبل وقوعه.

موقف إثيوبيا وتحليل سياسي

ولم تعلن أديس أبابا موقفًا من الوساطتين الإيطالية والأمريكية حتى الآن. وقال المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إن نجاح وساطة إيطاليا وواشنطن بين إثيوبيا ومصر يعتمد على مدى حرص أطراف القضية على نجاحها، وعدم وضع شروط تتسبب في فشل المفاوضات. وأضاف أن من النقاط المهمة بالنسبة لإثيوبيا حصر المفاوضات حول تعبئة وتشغيل سد النهضة وعدم الحديث عن تضمين أي بند حول حصص المياه وما شابه ذلك. وتابع أنه لم يصدر موقف من أديس أبابا، لكن في الغالب إثيوبيا مع استئناف التفاوض وسبق أن دعت مصر لذلك. وعن مدى تفاؤله بإمكانية نجاح وساطتي روما وواشنطن في نزع فتيل الأزمة، قال عبد الصمد إنه ليس كثيرًا، لأن مصر تنتظر الوساطة الأمريكية التي تراها تملك أوراق الضغط لصالحها.

وتقدر حصة مصر من مياه نهر النيل بنحو 55.5 مليار متر مكعب. ويتشارك حوض نهر النيل، الذي يمتد لنحو 6 آلاف و650 كيلومترًا، 11 دولة، هي بوروندي ورواندا والكونغو الديمقراطية وكينيا وأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان والسودان ومصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *