كيف تتحول الترقية إلى عقبة أمام الموهبة في بيئات العمل

07/06/2026 23:01

في معظم المؤسسات يتكرر نمط واحد بصورة شبه قانوية: يظهر موظف يتميز بسرعة الإنجاز ودقة الأداء، ينجز ما لا ينجزه غيره، ويستبق المشكلات قبل أن تتفاقم. ثم تصل إليه الإدارة في لحظة تُصنَّف على أنها مكافأة تاريخية، حيث تُمنح له ترقية مصحوبة بالتصفيق والتهاني الجماعية، وتغيير المسمى الوظيفي وربما مكتب أكبر.

من الانتعاش إلى الانحدار الصامت

ما يبدو في البداية كفوز كبير يتحول غالبًا إلى بداية لتدهور غير ملحوظ. لا يحدث هذا الانخفاض فجأة؛ بل يتسلل تدريجيًا. بعد عدة أشهر يبدأ الموظف الذي كان يلمع في موقعه الأصلي في إظهار علامات انخفاض الإنتاجية، وتزايد التوتر، وتبني سلوكيات دفاعية، كأنه فقد الاتجاه. يزداد ظهوره في اجتماعات العمل بينما يتناقص أثره على النتائج الفعلية. يشعر زملاؤه بعدم الاستقرار، ويعبرون عن ارتباكهم من قراراته المترددة ومزاجه المتقلب.

قصة واقعية من أرض الواقع

هذه ليست مجرد فرضية؛ فقد سمعت مؤخرًا من مجموعة من المديرين تجاربهم الشخصية مع موظف كان يُعدّ الأفضل في فريقه، يعتمد عليه الجميع في إنجاز المهام. بعد ترقيته، تغير سلوكه إلى ما هو أقل مرونة وأكثر حساسية، بل وتصفّح أحيانًا بنبرة عصبية. لم يستطع الزملاء تفسير السبب، وكانوا يظنون أن الترقية ستفتح له أفاقًا جديدة، إلا أنهم أدركوا لاحقًا أنهم نقلوا شخصًا ناجحًا إلى دور لا يتوافق مع قدراته، ثم تُركوا ليواجهوا صعوبة التأقلم.

مفهوم “مبدأ بيتر” وتأثيره على سياسات الترقي

يتجلى ما يُعرف بـ«مبدأ بيتر» في هذه الظاهرة: يتم ترقية الأفراد بناءً على إنجازاتهم في مناصبهم السابقة حتى يصلوا إلى وظيفة تتجاوز كفاءتهم الفعلية، فيتوقفون عند مستوى غير مؤهل. لا يُقصد بهذا توجيه اللوم إلى الأفراد، بل يُظهر خللاً في أنظمة الترقي التي تخلط بين الأداء الوظيفي والقدرات القيادية، وبين الإنجاز الفني والاستعداد الإداري.

الترقية كجائزة لا كوظيفة

في كثير من الشركات تُعامل الترقية كنوع من المكافأة بدلاً من أن تكون انتقالًا إلى مسؤوليات جديدة تتطلب مهارات مختلفة. ينتقل الموظف المتميّز إلى عالم جديد يركز على إدارة الأشخاص بدلاً من إدارة المهام، وحل النزاعات بدلاً من حل المشكلات التقنية، وبناء الثقة بدلاً من تحقيق الأرقام. عندما يواجه صعوبة في أداء هذه الوظيفة الجديدة، يُلقى اللوم عليه كما لو كان عدّاءً محترفًا يُطلب منه فجأة أن يصبح مدربًا دون أي إعداد.

نقد التدريب القيادي وتوجيهه

يُشير الكاتب نافيو كوك في مقاله “التدريب القيادي لا يجب أن يقتصر على أصحاب الأداء العالي” إلى مفارقة واضحة: تُمنح فرص التطوير والتدريب الأكبر للأشخاص الذين هم بالفعل الأكثر خبرة وأعلى أداءً، بينما يُحرم باقي الموظفين من فرص قد تُعيد تشكيل مساراتهم المهنية. يُصبح التدريب امتيازًا للنخبة بدلاً من استثمارًا يُوزّع على من يحتاجه حقًا.

تؤدي هذه السياسات إلى ظهور مدير غير مدرب يتعوض عن ضعفه بالسيطرة المفرطة، ويغطي ارتباكه بفرض الرقابة الصارمة، مما يحول بيئة العمل إلى مساحة مليئة بالخوف عوضًا عن الثقة. تُدفع المؤسسة ثمناً غير ملموس في تقاريرها: انخفاض الولاء، تراجع المبادرة، وتآكل الحماس بين العاملين. لذا فإن الفشل لا يكمن في الفرد المتعرض للترقية، بل في النظام المؤسسي الذي يفرض مثل هذه الممارسات.

إعادة تعريف الترقية للنجاح المستدام

الحل لا يكمن في إلغاء الترقيات، بل في إعادة تصورها كمسؤولية مؤسسية لا كجائزة عابرة. يجب أن تكون الاختيارات مدروسة وتستند إلى تقييم شامل للقدرات الإدارية، مع إتاحة مسارات مهنية للخبراء لا تجبرهم على الانتقال إلى الإدارة إذا لم يرغبوا بذلك. كذلك، ينبغي بدء برامج التدريب القيادي في مراحل مبكرة من مسار الموظف، قبل وضعه في مناصب تتطلب مهارات جديدة.

بهذه الطريقة، لا تُقضي الترقية على الموهبة، بل تُعزز من قدرتها على الإبداع والنمو داخل المؤسسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *