ارتفاع مخزون السدود في تونس إلى 60% لا ينهي انقطاعات مياه الشرب

03/08/2026 07:45

تونس ـ على الرغم من بلوغ نسبة امتلاء السدود 60% من طاقتها الإجمالية، لا تزال مناطق عديدة في تونس تعاني من انقطاعات واضطرابات في توزيع مياه الشرب. ويرجع خبراء هذه المفارقة إلى انقطاع التيار الكهربائي، وتآكل الشبكات، وضعف التخطيط والاستثمار في البنية التحتية.

تحسن المخزون المائي لا يوقف الانقطاعات

أفاد المرصد التونسي للمياه بتلقيه مئات البلاغات حول انقطاعات غير معلنة وتدهور جودة المياه. وأكد المدير العام للسدود والأشغال المائية الكبرى بوزارة الفلاحة، فائز مسلم، أن المخزون الحالي يكفي لتغطية احتياجات البلاد خلال فصل الصيف. وجاء ذلك بالتزامن مع موجة حر بلغت فيها درجات الحرارة نحو 50 درجة مئوية في نهاية يوليو الماضي، حيث وصف الرئيس قيس سعيّد انقطاعات المياه والكهرباء والحرائق بأنها “ظواهر غير عادية”، مشدداً على أن الدولة “لن تقف مكتوفة الأيدي” أمام من يسعى إلى التنكيل بالمواطنين.

وفي تصريحات لوكالة الأنباء التونسية نهاية يونيو الماضي، أوضح مسلم أن نسبة الامتلاء بلغت 60% من إجمالي السعة البالغة نحو 2.3 مليار متر مكعب، واصفاً هذا المستوى بأنه “مطمئن جدا” مقارنة بالسنوات الأخيرة التي شهدت تراجعاً حاداً في الموارد المائية. وأضاف أن المخزون سيخفف الضغوط التي دفعَت سابقاً إلى فرض انقطاعات دورية للمياه في بعض المناطق.

ورغم ذلك، لم تختفِ اضطرابات التوزيع. فقد سجل المرصد التونسي للمياه 423 بلاغاً خلال يونيو، منها 374 بلاغاً عن انقطاعات غير معلنة، و6 بلاغات عن تلوث أو سوء جودة، إضافة إلى 20 حالة تسرب، و23 تحركاً احتجاجياً من المواطنين.

انقطاع الكهرباء وتهالك الشبكات.. الأسباب الرئيسية

رأى المسؤول السابق بوزارة الفلاحة، محمد صالح قلايد، أن انقطاعات المياه “طبيعية” لأنها تتزامن مع انقطاع التيار الكهربائي. وأوضح للأناضول أن استخراج المياه من الآبار الجوفية ونقلها يعتمدان على الطاقة، فكلما انقطعت الكهرباء انقطعت المياه مع ارتفاع الاستهلاك ودرجات الحرارة. وأشار إلى أن ولاية سوسة سجلت أعلى معدل انقطاعات لعدم اعتمادها على موارد ذاتية، حيث تُنقل إليها المياه من الشمال ومناطق أخرى.

ولفت قلايد إلى عامل آخر يتمثل في قطع المياه من الثامنة مساءً حتى الصباح خلال الصيف لملء الخزانات وزيادة الضغط لضمان وصولها إلى الطوابق العليا. كما أن تضاعف السكان في المناطق الساحلية بسبب الاصطياف يزيد الطلب. وأضاف: “مع الأسف، ليس هناك استشراف للمستقبل. فعلى الرغم من معرفة حجم العجز وعدد السكان، فإننا لم نستعد لهذه الأوضاع، سواء بمشاريع جديدة أو سياسات جديدة للتوزيع”.

أزمة المياه في الأرياف وانتقادات الإدارة

تطرق قلايد إلى أزمة انقطاعات المياه في الأرياف رغم وجود جمعيات مائية تتولى التوزيع، مرجعاً ذلك إلى “الفساد وعدم حسن التصرف والتسيير”. وأوضح أن نحو 1.5 مليون تونسي في الأرياف يحصلون على المياه عبر حوالي 2500 جمعية لمياه الشرب، بالإضافة إلى 2500 جمعية للري. وقال: “إذا لم تكن هناك حوكمة رشيدة، تغرق السفينة بالجميع”.

ودعا إلى إنشاء مؤسسة وطنية باسم “شركة توزيع المياه في الأرياف” تتولى الإدارة بدلاً من الجمعيات، وتضمن انتظام التوزيع وتحصيل المستحقات. وأشار إلى أن مجلة المياه الجديدة، التي ينظر فيها البرلمان حالياً، تتضمن مقترحاً لتحويل الجمعيات إلى مؤسسة رسمية.

وشدد قلايد على ضرورة تطوير البنية التحتية، قائلاً إن المياه متوفرة لكن المشكلة لوجستية تتعلق بمنشآت التوزيع والتحويل. وأكد أهمية إعادة تأهيل الشبكات وإنشاء محطات ضخ وخزانات جديدة، مشيراً إلى عدم وجود مشاريع جديدة منذ 10 سنوات. كما أشار إلى دراسة لتحويل 50 مليون متر مكعب من مياه أقصى الشمال إلى سدي نبهانة وسيدي سعد في ولاية القيروان، مع خطط حتى 2050 لجعل سد نبهانة خزاناً لتوفير مياه الشرب والري في الوسط. وختم بالقول: “الأفكار موجودة والسياسة مرسومة، وتبقى المشكلة في الاعتمادات المالية”.

دعوات لإصلاح البنية التحتية وإنشاء مؤسسات جديدة

من جانبه، أرجع الخبير حسين الرحيلي، في حديث للأناضول، انقطاعات المياه إلى تهالك البنى التحتية وتخلي الدولة عن تجديدها. وأضاف الأكاديمي المختص في التنمية والتصرف في الموارد أن الأزمة تمتد إلى مياه الري، مما يؤثر في المحاصيل وأسعارها. وتابع: “السياسة العمومية للماء أثبتت فشلها منذ أواخر الستينات وحتى اليوم”.

وأشار الرحيلي إلى أن حديث الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه عن تحقيق التوازن المالي يعكس ضعف الاستثمار ونقص اليد العاملة. وأكد أن قنوات المياه “مهترئة” وغير قادرة على تمرير كميات كبيرة في وقت الذروة، علماً أن شبكة المياه تمتد لأكثر من 57 ألف كيلومتر، ويتجاوز عمر 20% منها 50 عاماً. ووصف الأزمة بأنها “هيكلية متعددة الأبعاد”، ويتم التعامل معها بحلول ترقيعية.

ولفت الرحيلي إلى وجود مناطق في الرديف تبقى شهراً كاملاً دون مياه، فيما تنقطع مياه الشرب في أرياف الشمال الغربي، حيث توجد السدود، لمدة قد تصل إلى شهرين. وأكد أن هذه الانقطاعات لا ترتبط بالطلب أو الفصول بل بالبنية التحتية وطريقة الإدارة. واتفق مع قلايد على وجود مشكلات في إدارة توزيع المياه بالأرياف، واصفاً الجمعيات المائية بأنها “مجموعات فساد، خلقها نظام بن علي منذ 2003، باعتبار أن من يملك الماء يملك السلطة”. ودعا إلى إنشاء شركة حكومية ريفية لتوزيع المياه تتعامل مع سكان الأرياف كمواطنين من الدرجة الأولى وتوفر لهم مياهاً جيدة بانتظام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *