أشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، بالغارات الجوية التي شنها الجيش الأوكراني ليلاً على مدينة سان بطرسبرغ الروسية، واصفاً إياها بأنها رد “عادل” على الهجمات الروسية على بلاده. وأكد أن الضربات التي تنفذها كييف في العمق الروسي تمنحها موقفاً نداً في أي مفاوضات محتملة مع موسكو لإنهاء الحرب.
وقال زيلينسكي، خلال مؤتمر صحافي مشترك في كييف مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته: “أعتقد أنها ضربات عادلة. قبل يوم واحد فقط، وقع هجوم واسع النطاق، وقد رددنا بناءً على ذلك”. وأضاف: “إنها مسألة وقت فقط قبل أن نتمكن من زيادة نطاق ردودنا”.
استهداف سان بطرسبرغ خلال المنتدى الاقتصادي
وكانت مسيرات أوكرانية بعيدة المدى قد استهدفت محطة نفطية في سان بطرسبرغ، وأشعلت فيها النيران، وفق ما قال زيلينسكي، وذلك بالتزامن مع انعقاد المنتدى الاقتصادي الدولي السنوي في المدينة، وهو حدث بارز بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأوضح زيلينسكي أن المسيرات قطعت مسافة تزيد على ألف كيلومتر قبل أن تصيب هدفها، بينما شوهدت أعمدة من الدخان الأسود تتصاعد فوق ميناء المدينة.
ولم تقدم السلطات الروسية تفاصيل عن الهدف المستهدف، مكتفية بالقول إن مسيرات أوكرانية ضربت بنى تحتية في المدينة. كما علق مطار سان بطرسبرغ الرحلات الجوية لفترة وجيزة خلال الليل إثر الهجوم، وقطعت السلطات خدمات الإنترنت عبر الهواتف المحمولة.
تساؤلات حول الدفاعات الجوية الروسية
تأتي هذه الضربات في وقت لم تشهد فيه خطوط الجبهة تغيراً كبيراً، مع إعاقة أسراب المسيرات لحركة القوات ميدانياً، مما دفع الطرفين إلى تكثيف الضربات بعيدة المدى سعياً لتحقيق أفضلية في الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022.
وأثار استهداف سان بطرسبرغ تساؤلات حول فعالية دفاعات روسيا الجوية، خاصة أنه جاء بعد أسابيع من تقليص الكرملين للعرض العسكري السنوي في موسكو بمناسبة “يوم النصر”، بسبب مخاوف من هجمات أوكرانية بالمسيرات.
ومن المقرر أن يلقي بوتين كلمة، الجمعة، أمام المنتدى الاقتصادي في سان بطرسبرغ، الذي يعتبره الكرملين حدثاً مرموقاً. وعلى مدى عقود، كان المنتدى أبرز فعالية روسية لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، ويطلق عليه أحياناً “دافوس روسيا”، تشبيهاً له بالمنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا. لكن كبار المستثمرين والمسؤولين الغربيين قاطعوا المنتدى منذ اندلاع حرب أوكرانيا.
هجوم روسي واسع على كييف وزيارة روته
وجاءت الضربات الأوكرانية بعد يوم واحد من شن القوات الروسية هجوماً واسعاً بالمسيرات والصواريخ على كييف ومدن أوكرانية أخرى، أسفر عن مقتل 23 مدنياً وإصابة 151 آخرين، في وقت تواصل فيه موسكو تنفيذ تهديدها بتصعيد ضرباتها المنتظمة. وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الأربعاء، إن الضربات الروسية العميقة اتخذت بالفعل طابعاً “منهجياً”.
ووصل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، الأربعاء، إلى أوكرانيا في زيارة غير معلنة مسبقاً، غداة الضربات الروسية العنيفة. وأكد متحدث أن روته وصل برفقة سفراء من دول الحلف، بعدما نشرت شركة السكك الحديد الوطنية الأوكرانية صوراً لوصوله إلى كييف. وكتبت الشركة عبر منصات التواصل الاجتماعي: “اليوم في محطة كييف للقطارات، سُررنا بالترحيب بالأمين العام للناتو، مارك روته”. وأضافت: “هذه الزيارة بالغة الأهمية، كما كل سابقاتها، لأنها بادرة تضامن ودعم من الحلف لبلادنا”، قبل أن تحذف المنشور لاحقاً، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.
وقال روته، خلال المؤتمر الصحافي مع زيلينسكي: “في وقت تواصل أوكرانيا الصمود والابتكار وتحقيق انتصارات في ساحة المعركة، فإن روسيا تزداد يأساً”.
نقص صواريخ باتريوت وإحباط زيلينسكي
يناشد زيلينسكي أعضاء الحلف مساعدة بلاده في التصدي للهجمات الروسية بالصواريخ الباليستية، في ظل نقص صواريخ “باتريوت” الأميركية الصنع لدى أوكرانيا جزئياً بسبب استنزاف المخزونات الأميركية نتيجة حرب إيران، مما يتركها عرضة للصواريخ الباليستية الروسية.
وأعرب زيلينسكي، الأربعاء، عن إحباطه من مسؤولي حكومته، قائلاً إن هناك اتفاقاً “على أعلى مستوى سياسي” لشراء منظومات “باتريوت”، لكن التنفيذ لا يزال معطلاً بسبب اعتبارات مالية وقانونية وتقنية. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: “لقد طال الانتظار أكثر مما ينبغي”، مطالباً المسؤولين بتذليل العقبات أمام عملية الشراء، وإلا فستكون هناك “قرارات جدية على مستوى الأفراد”.
وتقول كييف إن الضربات الأوكرانية بعيدة المدى تهدف إلى تقليص إنتاج النفط الروسي، الذي يعد مصدراً رئيسياً لتمويل موسكو، وإلى تعطيل إنتاج الأسلحة. واستهدفت أوكرانيا مراراً منشآت نفطية في سان بطرسبرغ وموانئ قريبة منها.
كما أدت هجمات أوكرانية أخرى بالمسيرات خلال الليل إلى اندلاع حريق في الكورفيت الصاروخي الروسي الموجه “بويكي”، الذي كان في حوض جاف بقاعدة كرونشتادت البحرية، وفق ما نقلت وكالة أسوشييتد برس عن روبرت بروفدي، قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية. وتقع كرونشتادت، وهي قاعدة قديمة للأسطول الروسي في البلطيق، غرب سان بطرسبرغ.
وقال زيلينسكي إن المسيرات أصابت أيضاً مصنعاً روسياً في منطقة تامبوف، على بعد 600 كيلومتر من أوكرانيا، يشارك في إنتاج الأسلحة. من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الدفاعات الجوية أسقطت 354 مسيرة أوكرانية خلال الليل.
وفي الجزء الخاضع للسيطرة الروسية من منطقة دونيتسك الأوكرانية، أصابت ضربة أوكرانية حافلة كانت متجهة من موسكو إلى شبه جزيرة القرم، ما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 11 آخرين، وفق ما قال رئيس دونيتسك المعين من الكرملين، دينيس بوشيلين.
وفي منطقة سمولينسك، قتل رجلا إطفاء في هجوم أوكراني بمسيرة، وفق ما قال الحاكم الإقليمي فاسيلي أنوخين، مضيفاً أن رجلي إطفاء آخرين وأحد السكان المحليين أصيبوا.
في المقابل، أطلقت روسيا 198 مسيرة بعيدة المدى على أوكرانيا خلال الليل، وفق سلاح الجو الأوكراني، الذي قال إن الدفاعات الجوية أسقطت أو حيدت 189 منها. وأفادت السلطات في منطقة سومي بشمال أوكرانيا بأن مدنياً واحداً قتل وأصيب 15 آخرون، بينهم ثلاثة أطفال، جراء ضربات روسية خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة. وفي خيرسون جنوباً، أسفر قصف روسي وضربات بالمسيرات خلال الليل عن مقتل امرأة تبلغ 86 عاماً وإصابة خمسة أشخاص آخرين، حسب السلطات الإقليمية.





