يبدو أن النظام الصحي الذي يروّج له ضياء العوضي، المعروف بـ”نظام الطيبات”، قد بلغ مرحلة الاستقطاب المعرفي، حيث لم تعد القضية مجرد اختلاف في وجهات النظر قابلة للنقاش والتفاوض، بل تحولت إلى صراع بين حقيقة يراها البعض مخفية ونظام صحي سائد. المشكلة الأساسية تكمن في أن هذا النظام استطاع أن يحظى بجمهور واسع، رغم ما يثيره من تشكيك حاد ورغبة في قلب غالبية التوصيات الصحية المتعلقة بالتغذية وأدوية الأمراض المزمنة.
تراجع الثقة وزيادة الحيرة
لم أتابع الجوانب الطبية الدقيقة لـ”نظام الطيبات” بقدر ما ركزت على أثره الاجتماعي، ولعل أخطر ما لاحظته هو تراجع ثقة الجمهور وزيادة حالة الحيرة والارتباك بين الناس. هذه الحالة قد تؤدي إلى تراجع في الالتزام بالتوصيات الصحية الرسمية، وقد تدفع بعض الأفراد إلى اللجوء إلى مصادر غير متخصصة أو مؤثرين لا يمتلكون المؤهلات العلمية اللازمة.
أسئلة مشروعة حول انتشار النظام
هنا يبرز سؤال مشروع وغاية في الأهمية: لماذا أحدث نظام الطيبات كل هذا الجدل بين الناس بهذا الحجم غير المسبوق؟ وكيف تمكن من إحداث تراجع في الثقة بالمرجعيات الصحية التقليدية لدى شريحة من الجمهور؟ إن انتشار نظام صحي مثير للجدل بهذه القوة قد يكشف عن وجود فجوة حقيقية بين الخطاب الصحي السائد وبين بعض احتياجات الناس وأسئلتهم التي يشعرون أنها لم تحظ بإجابات مقنعة. لذلك، فإن مجرد وجود جمهور واسع لفكرة لم تثبت صحتها بدليل علمي قاطع قد يشير إلى حاجة معرفية واجتماعية تستحق الدراسة والتحليل.
أزمة تواصل بين القطاع الصحي والجماهير
دعونا نناقش المسألة بشفافية أكبر. الأثر الاجتماعي الذي أحدثه نظام الطيبات يؤكد أهمية تغيير طريقة التواصل المجتمعي بين منسوبي القطاع الصحي وعامة الناس. كثير من الناس يرون أن الخطاب الصحي السائد يقدم توصيات عامة تستند إلى دراسات علمية غير متاحة لهم، ولا تفسر واقعهم المعاش، بل إنهم غالباً لا يفهمونها. لذلك يشعرون أن هذه الدراسات لا تعكس تجاربهم الفردية.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الأطباء والمختصون الصحيون شخصيات مشهورة تحظى بمتابعة واسعة، وأصبحوا في مواجهة مباشرة مع المجتمع. لكن لغة الخطاب التي يستخدمها بعضهم تبدو متعالية وغير قابلة للنقاش أو الدحض، وكل من يعترض أو يناقش يُتهم بالجهل أو بالانحياز لنظريات المؤامرة. ومن هنا نشأت أطروحات بديلة تجذب الجماهير لأنها تقدم تفسيراً شاملاً وبسيطاً لمشكلات صحية معقدة. المشكلة إذاً هي مشكلة ثقة وطريقة تواصل فعال.
دروس من الظاهرة
نظام الطيبات نجح في إثارة المجتمع ليس بسبب قوته العلمية أو أدلته الدامغة، بل لأنه وجد فراغاً أو حاجة لم تُشبع داخل الخطاب الصحي السائد. فمع وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الطبيب أو المختص الصحي معزولاً في عيادته، بل أصبح حاضراً في فضاء مفتوح يخضع للنقاش والمساءلة اليومية. لذلك، يُفترض بالمختص الصحي أن يمنح مساحة كافية لتساؤلات الجمهور ومخاوفهم الصحية بطريقة أكثر انفتاحاً وشفافية، وأن يشرح الأدلة العلمية بطريقة يفهمها الناس، وأن يبني الثقة من خلال الحوار لا من خلال الاكتفاء بسلطة التخصص.
ما يقدمه نظام الطيبات لا يتجاوز قائمة من الممنوعات والمسموحات، والالتزام بها — بحسب ضياء العوضي — كفيل بشفاء كثير من الأمراض المزمنة. وهو بذلك يعطي إحساساً بأن هناك حقيقة مخفية أو جانباً غائباً، ويقدم نفسه بصورة المخلص أو المنقذ من خلال قائمة أطعمة سهلة الاستيعاب. لكن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من ظاهرة “نظام الطيبات” لا يتعلق بمدى صحة النظام علمياً، بل بأثره الاجتماعي الذي كان أحد أهم أسبابه فجوة التواصل بين المختص الصحي والجماهير.





