التقت صحيفة «البلاد» فيصل بن حمران، الرئيس التنفيذي للرياضات الإلكترونية في مؤسسة الرياضات الإلكترونية، على هامش بطولة كأس العالم للألعاب الإلكترونية المقامة حالياً في العاصمة الفرنسية باريس. وتناول الحوار أثر الدعم السخي من ولي العهد على تطور القطاع، واستراتيجية المداورة العالمية للبطولة، والتحديات التي تواجه اللاعبين والهواة، فضلاً عن دور القطاع الخاص في استدامة الصناعة.
دعم ولي العهد ونقلة نوعية غير مسبوقة
أكد فيصل بن حمران أن الدعم الاستثنائي الذي يقدمه ولي العهد – حفظه الله – يُشكل الركيزة الأساسية والمحرك الإستراتيجي الذي دفع بقطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية في المملكة والعالم إلى مرحلة من النضج لم يسبق لها مثيل. وأوضح أن هذا الالتزام السيادي تجسد في إطلاق «الإستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية» عام 2022، التي تُعد أول إستراتيجية متكاملة تغطي كامل سلاسل القيمة لهذه الصناعة على المستوى العالمي. وأشار إلى أن الرؤية الملهمة تستهدف إضافة 50 مليار ريال إلى الناتج المحلي الإجمالي وخلق 39 ألف فرصة عمل نوعية بحلول عام 2030. وبفضل هذه التوجيهات، أصبح قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية ضمن القطاعات الثلاثة عشر الحيوية ذات الأولوية تحت مظلة رؤية السعودية 2030، مما مكن المملكة من قيادة المنظومة الدولية ورسم معاييرها المستقبلية، والتحول من مجرد مشارك إلى صانع قرار عالمي.
كأس العالم في باريس واستراتيجية المداورة
تحدث بن حمران عن إقامة بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس هذا العام، معتبراً أنها خطوة استثنائية تعكس قوة البطولة ونضجها ومرونتها العالية في التنقل بين عواصم العالم. وأوضح أن هذه الخطوة تُسرّع تحقيق الرؤية طويلة المدى لمؤسسة الرياضات الإلكترونية في تطبيق نظام المداورة، وإيصال الحدث إلى ملايين الجماهير الجديدة عالمياً، مع التأكيد على أن الرياض تبقى الموطن الأصلي الذي حوّل البطولة إلى ظاهرة عالمية، على أن تعود لاستضافتها مجدداً في عام 2027، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. وأضاف أن قرار تسريع خطة المداورة واستضافة باريس لنسخة 2026 جاء نتيجة تقييم شامل أجرته المؤسسة، بهدف تأمين استقرار المنظومة على المدى البعيد وتوفير وضوح تام في الجدول الزمني للأندية والناشرين والجمهور، مع الحفاظ الكامل على الهيكل التنظيمي ومجموع الجوائز القياسي البالغ 75 مليون دولار. ووقع الاختيار على باريس تحديداً لجاهزيتها التشغيلية المتكاملة وبنيتها التحتية المتطورة وسهولة الربط الجوي والوصول الدولي، إضافة إلى تاريخها المشهود في استضافة كبرى الأحداث الرياضية العالمية.
التحديات والهواة والاحتراف
أشار بن حمران إلى أن أحد أبرز التحديات التي واجهها القطاع هي الاستدامة والوضوح، حيث عانى لسنوات طويلة من التشتت والاعتماد على عوائد قصيرة المدى في ألعاب منفردة. وأكد أن التركيز الأساسي كان على تحويل الأندية والمنظمات التنافسية من مجرد فرق تلعب بشكل عشوائي إلى منظمات رياضية مستدامة قادرة على بناء مسيرات مهنية طويلة للاعبيها. وأوضح أن بطولة الأندية وبرنامج شركاء الأندية نجحا في ربط المنظومة بالكامل وتجميع الناشرين والأندية واللاعبين تحت هيكل تنافسي سنوي مترابط وواضح، مما يمثل قفزة نوعية في هندسة استقرار الصناعة عالمياً. وبخصوص الهواة، قال إنهم يظلون شريان الحياة لتجديد المواهب، لذا لا يتم إلغاؤهم بل تُمنح لهم مسابقات مفتوحة مثل «الطريق إلى كأس العالم» كجسر موثوق للعبور نحو الاحتراف الحقيقي والمؤسسي. وأضاف أن الاحتراف هو الغاية، ومسابقات الهواة هي الحاضنة المستمرة لتدفق المواهب.
وحول التحدي الأبرز أمام أي لاعب جديد يريد الاحتراف، أوضح بن حمران – بصفته ممارساً سابقاً وحالياً – أن العائق الأكبر كان غياب المسار المستقبلي الواضح وعدم وجود استقرار مالي أو مؤسسي يجعل الشاب أو أولياء الأمور يثقون في أن الرياضات الإلكترونية يمكن أن تكون مهنة حقيقية طويلة الأجل. وأكد أن مؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية تعمل على ردم هذه الفجوة عبر إرساء جداول سنوية واضحة وهيكلية جوائز منتظمة، وتوفير برامج تدريب ودعم للأندية لتمكينها من رعاية اللاعبين وصقل مهاراتهم، لتحويل الشغف من مجرد هواية إلى تخصص احترافي مستقر وموثوق.
القطاع الخاص والاستثمار في الصناعة
أكد بن حمران أن القطاع الخاص شريك تنفيذي وذراع مهم لتحقيق استدامة القطاع وازدهاره، مشيراً إلى أن الحكومات والمؤسسات تضع الرؤية وتوفر البنية التحتية والاستثمارات الأساسية التي تمنح القطاع الخاص الأمان لضخ أمواله ورسم خططه التوسعية. وأشار إلى أن هناك طلباً وإقبالاً استثمارياً غير مسبوق من الشركات الكبرى، تجلى في نسخة العام الماضي 2025 بانضمام 22 شريكاً وراعياً عالمياً، مما أسهم في تحقيق إيرادات رعاية قياسية. وأضاف أن هذا الإقبال يؤكد أن كبرى العلامات التجارية أصبحت ترى في منصة الرياضات الإلكترونية سوقاً استثمارياً حقيقياً ومجزياً للوصول إلى جيل شاب رقمي بامتياز.
وفيما يتعلق باكتشاف المواهب، أوضح أن تنظيم البطولات مهم، لكن كثرتها دون تخطيط ليس الحل الأمثل، فالنمو الحقيقي يكمن في صياغة منظومة راسخة ومتسقة ومترابطة، وجودة وهيكلة البطولات لتحويلها إلى نموذج متكامل ومستمر على مدار الموسم.
وعن اختيار الألعاب، قال بن حمران إن نسخة 2026 تضم 25 بطولة في 24 لعبة عالمية كبرى، مع إضافة نوعية للعبتي Fortnite و Trackmania. وتخضع الألعاب لمعايير فنية تشمل النزاهة التنافسية، وحجم القاعدة الجماهيرية، ومدى الانتشار العالمي، بالإضافة إلى مرونة وتعاون الناشرين والمطورين العالميين.
وحول مكانة المملكة، أكد أن المملكة العربية السعودية تجاوزت مرحلة اللحاق بالدول الأخرى وأصبحت المحرك الإستراتيجي الأول والمهندس الذي يعيد صياغة منظومة الرياضات الإلكترونية عالمياً، واضعة معايير جديدة وجريئة للصناعة بأكملها من خلال استثماراتها طويلة الأمد ومشاريع بنيتها التحتية المتقدمة.
وبخصوص استراتيجية المداورة، أوضح أن انتقال البطولة إلى فرنسا هذا العام يأتي ضمن هذه الإستراتيجية، لكن الرياض تبقى الموطن الأصلي، وقد تقرر رسمياً عودة البطولة إليها في نسختها القادمة عام 2027.
أما عن الاستثمار والتسويق، فأكد بن حمران أن الأرقام تثبت أن هذا القطاع من أسرع القطاعات الإعلامية والترفيهية نمواً وعائداً، حيث تتجاوز إيرادات الصناعة العالمية 205.4 مليار دولار أمريكي في عام 2026، مع قاعدة جماهيرية تضم 3.4 مليار لاعب حول العالم. وأشار إلى أن النجاح تحقق من خلال إيرادات رعاية قياسية واستقطاب كبرى العلامات العالمية وبيع مئات آلاف التذاكر والمنتجات الرسمية، مما نقل الحدث من مرحلة إثبات الفكرة إلى نموذج اقتصادي عالمي ناضج ومربح ومستدام.





