السعودية تلزم المسافرين بالإفصاح عن الأموال والمعادن التي تزيد قيمتها على 40 ألف ريال

26/06/2026 19:01

تمثل التعديلات التي شهدتها اللائحة التنفيذية لنظام مكافحة غسل الأموال في المملكة خطوة تنظيمية كبرى في القطاعين المالي والرقابي، حيث انتقلت اللائحة من الالتزامات التقليدية إلى إطار أكثر شمولاً يرتكز على إدارة المخاطر، واستخدام التقنيات الرقابية، وتعزيز التعاون بين الجهات المعنية، بما ينسجم مع المعايير الدولية ويسهم في حماية الاقتصاد الوطني من الجرائم المالية.

خفض عتبة الإفصاح الإلزامي للمسافرين إلى 40 ألف ريال

من أبرز التعديلات التي تضمنتها اللائحة الجديدة، إلزام المسافرين بتقديم إقرار عن الأموال أو الذهب أو المعادن الثمينة أو الأحجار الكريمة التي تصل قيمتها إلى 40 ألف ريال أو أكثر، وذلك عند الدخول إلى المملكة أو مغادرتها، مقارنة بالحد السابق البالغ 60 ألف ريال.

توسيع نطاق الجهات والأنشطة الخاضعة للرقابة

لم تعد مسؤولية مكافحة غسل الأموال مقتصرة على المؤسسات المصرفية فقط، بل امتد نطاق التعديل ليشمل جهات رقابية وتنظيمية أوسع، من بينها البنك المركزي السعودي، وهيئة السوق المالية، ووزارة التجارة، ووزارة العدل، وهيئة التأمين، والمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، وأي جهات أخرى ذات اختصاصات إشرافية أو تنظيمية ذات صلة.

كما توسعت الأنشطة الخاضعة للرقابة لتشمل خدمات التحويلات المالية، وإدارة المحافظ الاستثمارية، وخدمات التأمين ذات الطابع الاستثماري، والوساطة العقارية، وتجارة الذهب والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة، إضافة إلى بعض الأنشطة القانونية والمحاسبية المرتبطة بالمعاملات المالية.

ويهدف هذا التوسع إلى سد الثغرات التي قد تستغلها شبكات غسل الأموال، خاصة في القطاعات التي تشهد تدفقات مالية كبيرة أو تعتمد على التعاملات النقدية أو نقل الأصول.

التحول إلى منهج قائم على المخاطر

اعتمدت اللائحة مبدأ “التقييم المبني على المخاطر”، حيث أصبحت المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة مطالبة بإجراء تقييمات دورية لمخاطر غسل الأموال وتمويل الجرائم. وتشمل هذه التقييمات دراسة مخاطر العملاء، والمنتجات، والخدمات، والبلدان التي تتم معها التعاملات، وقنوات تقديم الخدمات، وطبيعة العمليات المالية.

كما ألزمت اللائحة الجهات الخاضعة للنظام بتوثيق نتائج التقييم بشكل مستمر، ومراجعتها وتحديثها عند حدوث أي متغيرات جوهرية، مما يسمح بتطوير إجراءات رقابية تتناسب مع مستوى المخاطر الفعلي، ويمثل تحولاً من الرقابة الموحدة التقليدية إلى رقابة أكثر مرونة تركز على الأنشطة أو العملاء الأكثر عرضة للمخاطر.

تشديد إجراءات التحقق من العملاء والعناية الواجبة

وضعت اللائحة متطلبات أكثر صرامة بشأن العناية الواجبة بالعملاء، حيث أصبح من الضروري على المؤسسات التحقق من هوية العميل قبل إقامة العلاقة التجارية أو فتح الحسابات أو تنفيذ بعض العمليات المالية. وتشمل إجراءات التحقق التأكد من هوية العميل والمستفيد الحقيقي، ومعرفة طبيعة النشاط الاقتصادي، ومصدر الأموال، والغرض من العلاقة التجارية، إضافة إلى فهم نمط التعاملات المتوقعة.

كما شددت اللائحة على ضرورة التعرف على “المالك المستفيد”، وهو الشخص الطبيعي الذي يمتلك أو يسيطر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على ما نسبته 25% أو أكثر من الكيان الاعتباري. ولا تتوقف الالتزامات عند بداية العلاقة التجارية، بل تمتد إلى متابعة العمليات بشكل مستمر، وتحديث بيانات العملاء بصورة دورية، والتأكد من توافق العمليات المالية مع المعلومات المتوافرة لدى المؤسسة.

وفي حال تعذر الحصول على المعلومات المطلوبة أو التحقق منها، تمنح اللائحة الجهات الخاضعة للنظام صلاحية الامتناع عن تنفيذ العملية أو إنهاء العلاقة التجارية.

رقابة خاصة على الشخصيات المعرضة للمخاطر

أفردت اللائحة أحكاماً خاصة للأشخاص السياسيين المعرضين للمخاطر، وهم كبار المسؤولين الحكوميين والسياسيين والقضائيين والعسكريين، إضافة إلى مسؤولي المنظمات الدولية. وامتدت متطلبات العناية المشددة لتشمل أفراد أسر هؤلاء الأشخاص والمقربين منهم، نظراً لارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بإمكانية استغلال النفوذ أو إساءة استخدام الأموال.

وألزمت اللائحة المؤسسات بالحصول على موافقة الإدارة العليا قبل إقامة علاقات عمل مع بعض هذه الفئات، مع اتخاذ إجراءات إضافية تشمل تحديد مصادر الثروة والأموال، وتعزيز الرقابة على العمليات المنفذة.

ضوابط أكثر دقة للتحويلات المالية

شددت اللائحة على أهمية شفافية التحويلات المالية الداخلية والخارجية، حيث أوجبت توافر معلومات دقيقة عن منشئ التحويل والمستفيد منه. وتتضمن البيانات المطلوبة اسم المرسل، ورقم الحساب، وبيانات المستفيد، والغرض من التحويل، وأي معلومات تسمح بتتبع العملية المالية ومراقبتها.

كما منعت اللائحة تنفيذ التحويلات التي تفتقر إلى المعلومات الأساسية، بما يحد من استخدام التحويلات المالية في إخفاء مصادر الأموال أو نقلها بطرق غير مشروعة، وتسهم هذه الإجراءات في تعزيز قدرة الجهات المختصة على تتبع حركة الأموال المشبوهة والتعاون مع الجهات الدولية عند الحاجة.

الإبلاغ الفوري عن العمليات المشبوهة والحماية القانونية للمبلغين

أكدت اللائحة إلزامية الإبلاغ عن العمليات المشتبه بها إلى الإدارة العامة للتحريات المالية فور توافر مؤشرات الاشتباه، دون النظر إلى قيمة العملية أو حجمها. كما ألزمت الجهات الخاضعة للنظام بتوفير المعلومات والبيانات المطلوبة بصورة عاجلة، والتعاون مع الجهات المختصة في أعمال التحري والتحقيق.

ومن الجوانب المهمة في التعديلات منح الحماية القانونية للمؤسسات والعاملين الذين يقدمون البلاغات بحسن نية، بما يعفيهم من المسؤولية المدنية أو الجنائية أو التأديبية الناتجة عن الإبلاغ، بهدف تشجيع الإبلاغ المبكر وتعزيز ثقافة الامتثال داخل المؤسسات.

صلاحيات أوسع للإدارة العامة للتحريات المالية

وسعت اللائحة صلاحيات الإدارة العامة للتحريات المالية، بما يمنحها أدوات أكثر فاعلية في مكافحة الجرائم المالية. وتشمل هذه الصلاحيات تحليل البلاغات الواردة، وطلب المعلومات الإضافية من الجهات الخاضعة للنظام، وتبادل المعلومات محلياً ودولياً، والتنسيق مع الجهات الأمنية والقضائية.

كما منحت اللائحة الإدارة صلاحية إصدار أوامر بتعليق العمليات المشتبه بها لمدة تصل إلى سبعة أيام عمل، إضافة إلى رفع طلبات الحجز التحفظي على الأموال والأصول المرتبطة بجرائم غسل الأموال، مما يعزز قدرة الجهات المختصة على التدخل السريع قبل تهريب الأموال أو إخفائها أو التصرف فيها.

تشديد الرقابة على الأموال والمعادن الثمينة عبر المنافذ الحدودية

منحت اللائحة هيئة الزكاة والضريبة والجمارك صلاحيات ضبط الأموال أو المعادن أو الأحجار في حالات عدم الإقرار أو تقديم بيانات غير صحيحة أو وجود شبهات بارتباطها بجرائم غسل الأموال. كما نصت على فرض غرامات على حالات عدم الإقرار أو الإقرار الكاذب، مع إحالة الحالات المشتبه بها إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات النظامية.

ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الرقابة على حركة الأموال عبر المنافذ الحدودية، ومنع استخدام عمليات النقل النقدي في إخفاء أو تهريب الأموال غير المشروعة.

وبشكل عام، تعكس التعديلات الجديدة توجهاً نحو تعزيز الامتثال والشفافية، ورفع كفاءة الرقابة المالية، وتوسيع نطاق التعاون بين الجهات المختصة، بما يدعم جهود المملكة في مكافحة غسل الأموال وحماية النظام المالي والاقتصاد الوطني من الجرائم المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *