لكل مذيع أو مذيعة أسلوبه الخاص، ومدرسته الإعلامية، وجمهوره الذي يثق بصوته. إن التنافس بين الإعلاميين، وبين القنوات والمنصات، يُعدّ عاملاً إيجابياً يدفع إلى التطوير والابتكار وتقديم محتوى يرتقي بمعايير الجودة.
متى يتحول التنافس إلى إقصاء؟
تظهر المشكلة عندما يتحول التنافس إلى سعي لإقصاء الآخرين، أو عندما يُقاس نجاح أحد الإعلاميين بمحاولة تقليل شأن زميله بدلاً من تعزيز حضوره المهني. الإعلام لا يقتصر على مساحة ضيقة لا تستوعب سوى صوت واحد، ولا يعني ظهور إعلامي أو نجاحه غياب الآخرين.
الساحة الإعلامية وتعدد المدارس
المجال الإعلامي الواسع قادر على استيعاب مدارس متعددة وتجارب مختلفة. البقاء في هذه الساحة لا يتطلب رفع الصوت أعلى أو مهاجمة المنافسين باستمرار، بل يستند إلى القدرة على الاستمرار، والتجدد، والالتزام بأخلاقيات المهنة.
التناقض بين الدعوة للحرية والإقصاء
تتجلى المفارقة عندما يطالب بعض الإعلاميين بحرية التعبير والاختلاف، وفي الوقت نفسه يمارسون أسلوباً استبعاديًا تجاه زملائهم، كأن الاختلاف مقبول فقط عندما يتماشى مع وجهة نظرهم. جوهر الإعلام الحقيقي يقوم على احترام التعدد، وإمكانية مناقشة الفكرة دون تحويل الحوار إلى صراع شخصي.
دور البرامج الحوارية في تكوين الثقافة
تحمل البرامج الحوارية، ولا سيما تلك الرياضية، مسؤولية كبيرة في تشكيل الثقافة الإعلامية لدى المشاهد. فالمتابع لا يقتصر على ما يُنقَل من محتوى النقاش، بل يتأثر أيضاً بطريقة إدارة الحوار وأسلوب التعامل مع المخالفين. عندما تُستند الإثارة إلى الاستفزاز أو التقليل من قيمة الآخرين، يُرسّخ تصور خاطئ عن طبيعة العمل الإعلامي، وكأن النجاح يتحقق فقط عبر الصدام.
يشهد المشهد الإعلامي في المملكة مرحلة ازدهار ملحوظة، مع توسع القنوات والمنصات وتنوع المحتوى وارتفاع عدد الكفاءات. هذه الفترة تستدعي وعيًا أكبر بأن قوة الإعلام لا تنبع من إقصاء الأصوات المتباينة، بل من تكاملها وتنوعها. لا يُطلب التوافق الكامل بين الجميع، بل الاختلاف باحترام، بحيث تكون المنافسة مبنية على جودة الطرح وقيمة المحتوى، لا على إلغاء الآخر.
الإعلامي الحقيقي لا يُقاس بعدد الخلافات التي يخوضها، بل بالأثر الذي يتركه، وبقدرته على بناء حضور مهني يحظى بالاحترام حتى من يختلف معه. الساحة تتسع للجميع، لكن التاريخ الإعلامي سيظل يكرم من صون مهنته قبل أن يدافع عن مكانته.





