تشبه المدينة كائناً حياً ينمو باستمرار مع سكانها، حيث يتزايد بناؤها يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، وبعض المدن لا تتوقف عن التوسع حتى على مدار الساعة. هذا النمو المتواصل يتحدد بعوامل متعددة تشمل آليات التشييد والبناء، والتاريخ المحلي، والخصائص الجغرافية التي تميز كل مدينة. ومن هنا يمكن تصنيف المدن وفق مراحل تطورها، ولا يقل أهمية عن ذلك المدينة التي دخلت مرحلة ما بعد الصناعة والتي تختلف جوهرياً عن سابقاتها.
العوامل التي تحدد نمو المدينة
العضوية urbana تعني прежде كل شيء استجابة المدينة للتغيرات التاريخية والجغرافية والاجتماعية والاقتصادية لسكانها. لكن خصائص الموقع – سواء كانت المدينة situada على ضفاف نهر، أو على طرق قوافل، أو عند ميناء ساحلي، أو تكون عاصمة – لها نفس الوزن من الأهمية. وفي حالة أبها، فإن التضاريس المحلية (الطبوغرافيا) تلعب الدور الحاسم في تشكيل هويتها الحضرية، وبالتالي تصبح هذه الطبوغرافيا المعيار الأساسي لهذا النوع من المدن. من هذه الملاحظة يمكن استخراج مجموعة من أسس التخطيط الحضري المنهجي التي قد تشكل خارطة طريق لتطوير المدينة على المدى البعيد.
خط الأفق وتضاريس الجبال المحيطة
يمكن تخيل أبها كحزام جبلي يحيط بها من الجهات الشمالية والغربية والشرقية، بينما يختفي هذا الحزام البصري من جهة الشرق. هذا الخط الأفقي يتألف من سلسلة جبال تبدأ من شمال المدينة بقلعة شمسان، ثم متنزه سما أبها (أم الركب)، ثم قلعة الدقل. نحو الغرب نجد جبال الشرقي وجبلي كوثران الشمالي والجنوبي وجبل نهران، وإلى الجنوب جبل أبو خيال وجبل ذرة. таким образом يشكل هذا الإطار التضاريسي حدوداً مرئية للمدينة venant من الشرق، ويستلزم ذلك فرض قيود على أي توسع عمودي للبناء قد يخلّ بهذا المنظر الفريد.
الوادي والمنخفض والبنية السكنية
يحيط هذا الإطار الجبلي بمنخفض يتدرج انحداره من الجهات الثلاث نحو المركز، وقد نشأت أحياء المدينة في هذا المنخفض الذي كان في الأصل مجموعة قرى متناثرة على ضفاف الوادي. بينما تم بناء بعض أجزاء هذا المنخفض، استُصلح الجزء السهل منه للزراعة، أما الأجزاء التي عاندت الاستصلاح فبقيت فضاءً تضاريسياً خالياً. داخل هذا المنخفض، يتحرك النسيج العمراني للمدينة صعوداً وهبوطاً وفقاً لما تسمح به التضاريس، مكوناً نسيجاً متعرجاً يتبع تضاريس الأرض.
الوادي المركزي والمعالم المعمارية والرؤية التكاملية
في قلب المنخفض يخترق وادي أبها المدينة من الشمال إلى الجنوب، وشكل هذا الوادي الرابط الحيوي الذي نشأت عليه الأحياء. عبر السنين انتشرت المزارع على ضفتيه، لاسيما في قرية المفتاحة التي تحتضن اليوم شارع الفن، والقرية الفنية للمفتاحة، ومسرح طلال مداح. على الرغم من أن وادي أبها نال بعض الاهتمام من الجهات المختصة (مثل تغطيته بمحاذاة شارع الفن)، فإن هذه التدخلات تحتاج إلى أن تُدمج ضمن رؤية شاملة تشمل الوادي بأكمله من فندق قصر أبها غرباً إلى أسفل مشيع شرقاً.
ينتهي هذا الإطار وواديه عند الحدود الجنوبية بالشفا أو ما يُعرف الآن بممشى الضباب، والتي تمثل العنصر الرابع في تكوين أبها الحضري. وفي الفضاء البصري المتصاعد والمنحدر داخل هذا الإطار تبرز معماريات تمنح أبها هويتها: ساحة البحار التي تعد مركز المدينة وتطل عليها مباني الإمارة، ومسجد الملك عبدالعزيز، والمتحف الوطني – جميعها أيقونات في النسيج العمراني – إضافة إلى الحي الأثري، وبسطة المقابلة، وعدد من المواقع السياحية المتناثرة داخل المدينة. هذه العناصر الخمسة قد تتداخل بحيث يصبح الحد معلمًا والمعلم يصبح حدًا، كما هو الحال مع ممشى الضباب أو جبل ذرة أو شارع الفن.
مقاربة كيفن لينش والخطة السداسية
هذه القراءة العمرانية الشاملة لأبها تستدعي مبادئ كيفن لينش التي قدمها في عمله الشهير “صورة المدينة”. عند النظر السريع إلى مخطط أبها يلاحظ القارئ (سواء كان مهندساً أم لا) أنه أمام مخطط غير تقليدي، يشابه تقريباً شكلاً سداسياً يتكون من طريق الملك عبدالعزيز والحزام الدائري. داخل هذا الإطار يوجد نظام تخطيط إنشائي يفتقر إليه معظم المخططات المعاصرة التي تحولت إلى مجرد “قطاعات عقارية” دون بعد هيكلي حقيقي.





