يتباين سلوك الجهات المتعاملة مع الإعلام وفق ثلاثة أساليب رئيسية. الأول يهدف إلى التواصل الفعّال وتبادل المعلومات لتصحيح أي نقص قد يكون وقع في التغطية، ساعيًا إلى بناء فهم مشترك للواقع. أما النمط الثاني، فيظهر عندما تنزعج الجهات من أي ملاحظة، فتتخذ موقفًا كأن النقد غير مقبول وتدعي أن كل شيء يسير على ما يرام. والنمط الثالث يتسم بالذاتية، حيث يلجأ البعض إلى تقديم شكاوى لإداريي الصحف دون أن تُحدث أي تغيير، لأن المشكلة لا تكمن في ما كُتب بل في ما لم يُعالج من قصور.
جلسات الملتقى وتوجيهات المسؤولين
خلال فعاليات الملتقى الأخيرة، برزت كلمة الدكتور خالد البياري، مساعد وزير الدفاع، كحوار غير تقليدي. لم يقتصر حديثه على عبارات جاهزة بل جاء من منظور استراتيجي عميق، ما أضفى بعدًا مختلفًا على النقاش، خصوصًا في مجال إعداد الاستراتيجيات الدفاعية.
في حين أن كثيرًا من المسؤولين يكررون رسائل مكررة في مناسبات متعددة، يبقى محتوى كلماتهم مجرد صدى منظم. لكن عندما يُعبر أحدهم عن رؤية شمولية تستوعب التحولات الكبرى وتربط بين الأحداث والمتغيرات، يتحول الخطاب إلى مستوى مميز.
التحولات التكنولوجية وتحديات الحروب الحديثة
أظهر الدكتور البياري إلمامًا تفصيليًا بالتحولات السريعة التي تشهدها التقنيات الدفاعية، مشيرًا إلى أن العالم يعيش الآن مرحلة تشبه الثورة التقنية، حيث قد تصبح التقنية الحديثة غير صالحة الاستخدام في غضون أيام قليلة. وقد أكّد أن هذا الوتيرة المتسارعة تتطلب استيعابًا مستمرًا لأحدث الأفكار التي لا تزال تُناقش في مراكز الفكر العالمية.
وقد تكرر في تقاريرنا أن طبيعة الحروب تتغير بصورة دراماتيكية لم يسبق لها مثال منذ الحرب العالمية الثانية، وأن الصراع الروسي‑الأوكراني قدم لنا دروسًا هامة حول ضرورة مواكبة هذه التحولات. وفي هذا الصدد، أشار البياري إلى أن عدد الطائرات المسيّرة المستخدمة في ذلك الصراع وصل إلى أعداد هائلة، ما يعكس مدى الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية.
الذكاء الاصطناعي في المنظومة العسكرية
من بين القضايا التي نادينا بها مرارًا كانت ضرورة دمج الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار في برامج التدريب والتأهيل للكوادر العسكرية، مع اقتراح تخصيص نسبة لا تقل عن 15 % من الكوادر لتكون متخصصة في هذه المجالات. وقد أكّد البياري، الذي يحمل خلفية في الاتصالات والمعلومات، دعمه الكامل لهذا الاتجاه، مؤكداً أنه يتابع التطورات عن كثب.
الجامعات ومخرجات البحث العلمي في الدفاع
لفت انتباهنا صراحة الدكتور فالح السليمان، محافظ هيئة التطوير الدفاعي، إلى أن الكثير من الأبحاث الجامعية ما زالت محصورة في الإطار النظري دون تحويلها إلى منتجات أو حلول عملية. وأوضح أن المشكلة ليست في الإمكانات المتوفرة، بل في الهيكلية التنظيمية التي تفضل الإنتاج الأكاديمي على التطبيق الفعلي.
رغم الجهود التي تبذلها الهيئة من حاضنات ومسرعات وشراكات مع الجامعات، يبقى التحدي الأساسي هو ثقافة البحث الجامعي التي لا تشجع الابتكار التجاري. وقد قارن الموقف بالمثل الشعبي “انفخ يا شريم، قال ما هنا برطم!”، مشيرًا إلى أن القدرة على إقناع الجامعات بالابتكار لا تكفي إذا لم تتوفر الحوافز المناسبة.
في عام 2026 ما زالت الأبحاث ذات الأثر العملي القوي قليلة، مع استثناءات نادرة من بعض الجامعات مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. وتظهر الفجوة عندما يُقارن نظامنا بنظام الجامعات العالمية مثل هارفارد وMIT، حيث تُمنح البراءات واختراعات الأساتذة حوافز مالية تصل إلى نسبة من الدخل، ما يدفعهم إلى تحويل أفكارهم إلى منتجات تجارية.
وبالمقابل، يفتقر النظام المحلي إلى مثل هذه الحوافز، مما يدفع بعض الأساتذة إلى ترك الأوساط الجامعية دون تحقيق إنجازات ملموسة. وقد أشار إلى أن بعض الجامعات السعودية استنسخت نماذج الغرب في الشكل والهيكل، لكنها لم تُطبق آليات الدعم الفعلية للابتكار.
ختامًا، وجهت نصيحة إلى هيئة التطوير الدفاعي بضرورة الاستمرار في دعم الجامعات، مع توخي الحذر من الاعتماد الكلي عليها في الوقت الحالي. وأوصى بالتركيز على التعاون المكثف مع دول الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا، معتبرًا أن هذه الشراكات قد تكون أكثر فاعلية وأقل تعقيدًا من الشراكات الغربية التي غالبًا ما تُظهر قصورًا في نقل التقنية والمعرفة.
وبينما يُستحسن الحفاظ على العلاقات مع الشركاء الغربيين كمكمل، فإن الاستراتيجية الأنسب تكمن في بناء قدرات محلية وإقليمية قوية تضمن استدامة التطور الدفاعي.





