نظرة شاملة على رواية "دوائر الفقر والنفط والسياسة" للكاتب السعودي عبدالله القفاري

08/06/2026 13:01

تبدأ الرواية بسلسلة أحداث تتقلب ككرة ثلجية من مدينة بريدة، مسقط رأس البطل “سليمان”، مروراً بالرياض والظهران ثم إلى بيروت ودمشق، لتعود بعدها إلى الظهران ثم تتجه إلى بغداد، قبل أن تعود إلى نقطة الانطلاق في قرية حويلان، حيث تنتهي حياة البطل.

مفهوم الرواية وإصدارها

العمل الأدبي الذي يحمل عنوان “دوائر الفقر والنفط والسياسة” صاغه الكاتب السعودي عبد الله القفاري، ونُشر من قبل دار نور حوران للدراسات والنشر والتراث في دمشق عام 2025. يتجاوز عدد صفحاته الأربعمائة، ما يجعل محتواه ثقيلاً ويتطلب صبرًا وعزيمة للقراء في ظل تضاؤل حجم الكتب التقليدية.

سياق إبداعي ومقارنات أدبية

يُذكر أن الكاتب عبد الرحمن منيف قد حاز على حضور بارز في حلقات الأدب من خلال أعماله مثل “مدن الملح” التي تناولت تاريخ المملكة. وتبع ذلك مجموعة من الكتاب السعوديين الذين سعى كل منهم إلى إعطاء صوته للبيئة المحلية، مثل تركي الحمد بأعماله “الشميسي” و”شرق الوادي”، وموسى النقيدان بـ”الهدام” و”حارس البئر”، إضافة إلى إبراهيم الحميدان الذي ركّز على نجد. كذلك يبرز أعمال عبد العزيز مشري في “الوسمية” و”زهور تبحث عن آنية”، وأحمد أبودهمان في “الحزام”، ويحيى أم قاسم في “ساق الغراب”، وعبده خال في “الموت يمر من هنا”، جميعها تعكس تنوع الإنتاج الروائي وجودته في السعودية.

محاور السرد وبناء الشخصية

يتجلى في الرواية حسٌّ دقيق للبطل تجاه محيطه، حيث يتساءل عن الظواهر من حوله، ما يثير في نفسه مشاعر الطموح والشغف بالمجهول، إلى جانب الأمل والحب والحنين إلى جذوره. هذه العواطف تخلق تجسيدًا حيًا للإنسان داخل بيئة بدوية نقيّة، تكشف عن ميوله وحاجاته وتطلعاته.

الرسالة التاريخية والسياسية

اختار القفاري تسمية جذابة لعمله، ولو لم يضيف توضيحًا بنوع الرواية لكان من الممكن اعتباره كتابًا فكريًا أو سياسيًا يستعرض حقبًا من القرن الماضي. يستند السرد إلى حياة “سليمان الحويلاني” التي تمثل جيلًا عاش في فترات عسر ونهضة، في ظل توترات سياسية إقليمية. يدمج الكاتب أحداثًا معروفة من تاريخ بريدة مع ما جرى في عام 1956، عندما شهدت المنطقة العدوان الثلاثي على مصر وزيارة الرئيس عبد الناصر للظهران، إلى جانب مطالب الشباب بفتح المقاهي وركوب الدراجات، وتراجع سيطرة رجال الحسبة، ومقتل الملك فيصل، وما تلا ذلك من تحولات غير مألوفة.

يعرض القفاري حوارًا رجعيًا بين سليمان وعلي الصفي يستشرف تأثير الحرب العالمية الثانية، دور النفط، وصعود التيارات القومية. كما يتناول لقاءات مع شخصيات جدلية مثل عبد الله القصيمي في مقهى بشارع الحمراء ببيروت، ويتطرق إلى عالم “أرامكو” والنفط والاحتجاجات الطبقية بين الموظفين، والتمرد على القوانين الوظيفية في ظل الانتماءات الحزبية.

يتنقل السرد إلى مرحلة زواج سليمان من سعاد بنت عقيلي، التي استقرت في دمشق ثم انتقلت إلى المنطقة الشرقية، حيث أثرت تلك الزيجة على أهل بريدة بتعريفهم بالراديو والعقال والأقمشة الفاخرة والحرير والمجوهرات والتوابل والأواني الحديثة. يختتم الكاتب بنقاش حول “الصحوة” التي عاشها، مقدماً رؤية نقدية للمرحلة السابقة ومقترحًا منظورًا جديدًا يختلف عن السرد التقليدي.

تُعدّ الرواية وثيقةً غنيةً تستحق دراسة نقدية مفصلة تشمل البنية السردية، الزمان والمكان، الحوار، تطور الشخصية الرئيسية والثانوية، الحبكة، الصراع واللغة. إن هذه العناصر تجعل من “دوائر الفقر والنفط والسياسة” عملاً يستحق الاهتمام والتحليل الأدبي المتعمق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *