وفاة عبدربه منصور هادي: رحيل رجل دولة تقوده اليمن في أصعب مراحله

29/05/2026 01:00

أعلنت الرئاسة اليمنية، أمس الخميس، وفاة الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، عن عمر يناهز الثمانين عاماً، عقب مسيرة طويلة ارتبطت بأكثر المراحل حساسية في تاريخ الجمهورية الحديثة، التي شهدت تحولات سياسية وأمنية عميقة وانقسامات داخلية حادة.

إعلان الحداد وتكريم الراحل

وأفادت الرئاسة في بيان رسمي ببدء فترة حداد رسمية، وتنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام، تقديراً لمكانة هادي الذي تولى قيادة البلاد خلال مرحلة انتقالية أعقبت احتجاجات عام 2011، وأسفرت عن إعادة تشكيل المشهد السياسي في اليمن.

البدايات والمسار العسكري

ولد عبدربه منصور هادي عام 1945 في مديرية الوضيع بمحافظة أبين، وبدأ مسيرته المهنية في السلك العسكري، حيث تدرج في عدة مناصب داخل المؤسسة العسكرية في جنوب اليمن قبل الوحدة. عُرف خلال تلك الفترة بانضباطه الإداري وحضوره العسكري، قبل أن تتقاطع مسيرته مع التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد في العقود الأخيرة من القرن الماضي.

بعد أحداث يناير 1986 في عدن، غادر هادي إلى شمال اليمن، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته السياسية والعسكرية، تزامنت مع اقتراب البلاد من تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990.

المناصب العليا بعد الوحدة

مع إعلان الوحدة اليمنية، برز هادي ضمن القيادات الجنوبية التي انخرطت في مؤسسات الدولة الجديدة، ثم شغل منصب وزير الدفاع خلال حرب صيف 1994، وبعد ذلك عُين نائباً لرئيس الجمهورية في نفس العام، وظل في هذا المنصب قرابة ثمانية عشر عاماً. خلال تلك الفترة، كان حضوره السياسي هادئاً نسبياً، مشاركاً في منظومة الحكم التي قادت البلاد في زمن اتسم بتوازنات سياسية معقدة واستقرار هش.

التحول إلى رئاسة توافقية

في عام 2011، ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، دخلت اليمن مرحلة انتقال سياسي بإشراف إقليمي ودولي، انتهت بتوقيع المبادرة الخليجية التي نصت على نقل السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية. وفي فبراير 2012، تولى هادي رئاسة الجمهورية في انتخابات توافقية بمرشح وحيد، وسط تحديات شملت تدهور الأوضاع الأمنية، وتراجع مؤسسات الدولة، وتصاعد الأزمات الاقتصادية، إلى جانب اتساع نفوذ الجماعات المسلحة.

أطلق هادي خلال فترة حكمه مؤتمر الحوار الوطني الشامل بهدف إعادة صياغة التوافق السياسي بين مختلف القوى، غير أن مخرجاته واجهت صعوبات كبيرة في التطبيق نتيجة تعقيدات الواقع السياسي.

في سبتمبر 2014 سيطرت جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، ما أدى إلى فرض الإقامة الجبرية على الرئيس، ثم انتقل إلى عدن ومن ثم إلى الخارج مع اتساع رقعة المواجهات.

السلطة الشرعية ودوره الدولي

منذ عام 2015، أصبح هادي رئيساً معترفاً به دولياً، وقاد السلطة الشرعية في مواجهة الحوثيين، مستنداً إلى دعم التحالف العربي بقيادة السعودية، في ظل حرب طويلة ومعقدة امتدت لسنوات وأثرت على مختلف جوانب الحياة في اليمن. شهدت هذه المرحلة تحديات كبيرة تمثلت في الانقسام السياسي داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتدهور الخدمات العامة، واستمرار الأزمة الإنسانية.

أعلن هادي في أبريل 2022 نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في بنية السلطة الشرعية، وأنهت مرحلة امتدت لعقد كامل من رئاسته للبلاد، ومهدت الطريق لصيغة جديدة لإدارة المرحلة السياسية.

تقييم المسيرة والذكرى

يرى مراقبون أن عبدربه منصور هادي كان شخصية محورية في واحدة من أكثر مراحل اليمن تعقيداً؛ إذ تداخلت خلال فترة حكمه التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية، في ظل انهيار مؤسسات الدولة واتساع رقعة الصراع. وبين من يعتبره رئيساً واجه ظروفاً استثنائية تفوق قدرات الدولة، ومن يحمّله مسؤولية الإخفاقات التي رافقت تلك الفترة، يبقى اسمه مرتبطاً بتحولات كبرى في تاريخ اليمن الحديث.

وبوفاته، تطوي اليمن صفحة أحد أبرز وجوهها السياسية في العقود الأخيرة، الذي ظل اسمه حاضراً في مفاصل التحول من دولة ما بعد الوحدة إلى مرحلة الحرب والانقسام، ومحاولات إعادة بناء الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *