واشنطن تعزز نفوذها في القوقاز بين رهان أرمينيا وثغرة جورجيا

28/05/2026 07:00

لم تعد منطقة جنوب القوقاز مجرد طرفٍ هامشي في حسابات واشنطن. فالموقع الصغير بين روسيا، تركيا، إيران وبحر قزوين تحول إلى ساحة اختبار مباشرة لقدرة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على تحويل الدبلوماسية التعاقدية إلى نفوذٍ مستدام. تجسدت هذه الفكرة في زيارة وزير الخارجية ماركو روبيو إلى يريفان، حيث وقع مع نظيره الأرميني أرارات ميرزويان اتفاقية شراكة استراتيجية ومذكرة حول المعادن الحرجة، إلى جانب إطار تعاون يُطلق عليه «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». جاءت هذه الخطوة لتؤكد أن واشنطن لا ترغب في ترك الممرات والطاقة والمعادن في القوقاز لحكم موسكو وطهران وبكين.

أرمينيا رهان أمريكي جديد

حملت زيارة روبيو إلى يريفان رسالة دعم صريحة لرئيس الوزراء نيكول باشينيان قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في 7 يونيو. وفي جوهرها، تُظهر محاولة أميركية لتثبيت تحول أرمينيا نحو الغرب بعد سنواتٍ من الاعتماد الأمني والاقتصادي على روسيا.

وقع روبيو وميرزويان على اتفاقية شراكة استراتيجية، واتفاقية حول المعادن الحرجة، بالإضافة إلى إطار يخص ممرًا بريًا بطول 43 كيلومترًا يمر عبر جنوب أرمينيا، يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان ومن ثم إلى تركيا، دون المرور عبر روسيا أو إيران. صرح روبيو خلال حفل التوقيع بأن الطرفين سيعملان على ضمان «وصول موثوق» إلى هذه المعادن الحرجة، مشيرًا إلى الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية للاتفاق. لا ينفصل هذا المسار عن رغبة واشنطن في فتح بوابة جديدة بين آسيا وأوروبا وتعزيز حضورها في عقدة مواصلات كانت تاريخيًا تخضع لتوازنات موسكو وطهران.

يرى المحللون أن زيارة روبيو تتجاوز مجرد إظهار دعم انتخابي لحكومة باشينيان؛ فهي محاولة لإقناع دول القوقاز بأن واشنطن قادرة على تقديم بديل ملموس يشمل طرق تجارة، ومعادن حرجة، استثمارات، وضمانات سياسية، بعيدًا عن الخطابات العامة.

التهديد الروسي المباشر

يواجه الرهان الأمريكي أولًا قدرة موسكو على العقاب. فقد ألمحت روسيا قبل وبعد زيارة روبيو إلى إمكانية تعديل أو إيقاف شروط إمدادات الطاقة المخفضة التي تعتمد عليها أرمينيا. أكدت أن الأسعار التفضيلية للغاز والنفط والمنتجات البترولية مرتبطة ببقاء يريفان ضمن إطار التكامل الروسي. وأشارت وكالة «رويترز» إلى أن أرمينيا استوردت العام الماضي نحو 82 % من احتياجاتها من الغاز من روسيا، ما يجعل أي خطوة روسية في هذا المجال ذات أثرٍ اقتصادي وسياسيٍ مباشر قبيل الانتخابات.

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن التهديد الأول لاستراتيجية ترمب يكمن في أن واشنطن قد تُبرم اتفاقيات واعدة، لكنها لا تملك بعد شبكة نفوذ يومية تُقارن بأدوات موسكو في الطاقة، مثل العمالة، التجارة، والإعلام. لذا تسعى روسيا إلى تصوير الانفتاح الأرميني على واشنطن وبروكسل كمغامرةٍ مكلفة. وفي الوقت نفسه، يحاول باشينيان الموازنة بين تعميق العلاقات مع الغرب من جهة، وتأكيد عدم رغبته في قطع العلاقات مع روسيا من جهة أخرى، ما يجعل «طريق ترمب» مشروعًا استراتيجيًا ولكنه ورقة انتخابية عرضة للهجوم الداخلي.

جورجيا: الثغرة الأخطر

في حين تُعد أرمينيا فرصةً، تُمثل جورجيا الخطر الأكبر. فاستراتيجية واشنطن في جنوب القوقاز تحتاج إلى مرافئ البحر الأسود والبنية التحتية الجورجية لتحويل الممرات البرية إلى شبكة تجارية تصل آسيا بأوروبا. لكن حكومة «الحلم الجورجي» سلكت في السنوات الأخيرة مسارًا أقرب للعداء للغرب والاقتراب من روسيا، مع تشديد قبضتها على المعارضة والمجتمع المدني. وقد حكمت محكمة جورجية مؤخرًا على زعيم معارض بالسجن عامين ونصف بعد دعوته إلى «ثورة سلمية»، وسط احتجاجات مستمرة منذ تعليق الحكومة محادثات الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي» في نوفمبر.

يتفاقم القلق في واشنطن من أن التباعد الجورجي ليس نحو روسيا فقط، بل بات يتجه أيضًا نحو إيران. ووفقًا لتقرير معهد هودسون، وثّق توسع شبكات إيرانية دينية وتعليمية وثقافية داخل جورجيا، لا سيما بين الأقلية الشيعية الأذربيجانية. وذكرت أن «جامعة المصطفى الدولية»، المصنفة أميركيًا منذ 2020 كقناة تجنيد مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، تعمل عبر فروع في جورجيا إلى جانب مؤسسات دينية وإعلامية أخرى موالية لطهران. كما أشارت «واشنطن بوست» إلى حوادث أمنية شملت مواطنين جورجيين متهمين أو مدانين في قضايا مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، من محاولة اغتيال شخصية يهودية في باكو إلى مؤامرة استهداف الصحافية الإيرانية الأميركية ميسح علي نجاد في الولايات المتحدة.

شروط نجاح مهمة روبيو

يُقَدِّر المحللون أن زيارة روبيو إلى أرمينيا تُعد جزءًا من محاولة لإصلاح صورة أمريكا وجاذبيتها في القوقاز، لكنها ليست مجرد علاقة عامة. فالزيارة تهدف إلى تثبيت مكسب جيوسياسي محدد: تحويل اتفاق السلام الأرميني‑الأذربيجاني والممر المقترح إلى رافعة أميركية تقلل اعتماد المنطقة على روسيا وإيران. نجاح ذلك يعتمد على ثلاثة شروط أساسية: ألا تتمكن موسكو من خنق أرمينيا اقتصاديًا؛ وألا يتحول الممر إلى مصدر توتر جديد مع إيران؛ وألا تكافئ واشنطن حكومة جورجية تقمع القوى الغربية داخليًا وتفتح أبوابها لشبكات إيرانية خارجيًا.

يحذّر البعض في واشنطن من أن تتعامل إدارة ترمب، بنهجها القائم على الصفقات، مع تبليسي كشريك ضروري في الموانئ والممرات، حتى لو استمرت في تقييد الحريات والتقارب مع خصوم واشنطن. كما أن التغاضي عن سلوك «الحلم الجورجي» سيجعل جورجيا بوابة لمصالح أميركا وخصومها في آن واحد. وبالتالي، فإن تهديد استراتيجية ترمب في القوقاز لا يقتصر على موسكو وطهران فقط، بل يتجسد في الفجوة بين الطموح الأمريكي الكبير والانخراط المتقطع للولايات المتحدة. فالدول الصغيرة في المنطقة لا تسأل فقط عن من يوقع الاتفاقيات، بل عن من يبقى حاضراً عندما تبدأ الضغوط الروسية، وتتحرك الشبكات الإيرانية، وتصبح تكلفة الانحياز إلى واشنطن أكبر من مكاسبها الفورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *