تحوّل موقع أوكرانيا جيوسياسيًا بفضل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران

23/05/2026 17:01

منح الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أوكرانيا مساحة سياسية وعسكرية لم تكن محسوبة لها قبل بضعة أشهر فقط. ففي خريف العام الماضي كانت كييف تواجه ضغوطًا متزايدة على الصعيد الميداني والمالي والدبلوماسي، لكن التطورات الأخيرة غيرت من وضعها لتصبح ليس فقط دولة تحتاج إلى أسلحة وتمويل، بل طرف يمتلك خبرة قتالية تصنع طلبًا في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة.

إعادة إضاءة التجربة الأوكرانية

تشير تقارير إخبارية غربية إلى أن انتشار استخدام الطائرات بدون طيار الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد لفت الأنظار إلى التجربة الأوكرانية التي قضت أربع سنوات في التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأساليب حرب رخيصة وكثيفة، أصبحت الآن من سمات معظم الصراعات الحديثة.

أوكرانيا تعرض خبراتها التقنية

نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أن كييف بدأت في عرض خبراتها في اعتراض الطائرات بدون طيار على دول المنطقة، وأرسلت نحو مئتي عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تؤدي إلى استثمارات وتصنيع مشترك. وصرحت نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا أن هذا المسار حول صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

تأثير التحوّل على المفاوضات الأوكرانية

يُلاحظ مراقبون أن هذا التحوّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقة تفاوضية لم تكن واضحة عندما صرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بأنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران حول ما جمعته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا إلى مادة استراتيجية قابلة للتصدير، تشمل اعتراض الطائرات بدون طيار، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

المسيّرات كعامل تغيير في الميدان

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا، عبر إنتاج آلاف الطائرات بدون طيار يوميًا، عوضت جزئيًا الفجوة العددية مع روسيا. ولم يقتصر الدور على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية؛ فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع تستهدف منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تُعدّ بعيدة عن مسار القتال.

وفقًا لأولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للشؤون الدفاعية، فإن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا التصريح يعكس تصورًا أوكرانيًا جديدًا يهدف إلى رفع تكلفة الصراع على موسكو إلى مستوى يجبرها على التفاوض حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

مع ذلك، يحذر محللون من المبالغة في اعتبار هذا التحوّل نقطة انعطاف حاسمة. نقلت الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إن أوكرانيا أصبحت في وضع أقوى مما توقع كثيرون، لكنه أشار إلى أن الحروب تتسم بدورات مستمرة من التكيّف، وأن السؤال الأساسي يبقى ما إذا كانت روسيا ستتمكن من إيجاد رد على التفوق الأوكراني المتجدد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

على الجبهة الروسية، تشير تقديرات غربية إلى أن التقدم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تتراوح بين 30 و35 ألف قتيل وجريح. وتظهر تحليلات أن تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، أصبحت تحقق عوائد أقل مقارنة بعام 2025، بعد أن طورت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على الطائرات بدون طيار والفرق الصغيرة.

ولا يعني ذلك أن روسيا قد انهارت؛ فموسكو لا تزال تمتلك ميزة بشرية، وإن كانت تكاليفها المالية ترتفع بسبب مكافآت التجنيد. كما أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة الصراع في الشرق الأوسط وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي وفر للنظام المالي للكرملين متنفسًا، إلا أن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية قلّلت من قدرة موسكو على تحويل هذه الارتفاعات إلى مكسب كامل.

يُضيف ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أن بوتين، لو تصرف وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من الإدارة الأمريكية قبل الانتخابات النصفية. لكنه يوضح أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ما زال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

بعيدًا عن ساحة القتال، يضغط الصراع على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحولت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول الطائرات بدون طيار الأوكرانية إلى مناطق عميقة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادرًا على تصوير الصراع كعملية بعيدة عن الحياة اليومية للمواطنين.

تنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أن الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيّرًا في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عوامل تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

مع ذلك، لا يظهر أي مؤشر واضح على أن بوتين سيفكر في تعديل أهدافه. فالتقارير تؤكد أنه لا يبدي نية للتخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. وبالتالي، يرى المحللون أن كييف تقف أمام فرصة—not ضمانة—؛ فالحرب على إيران حسّنت موقعها وأظهرت قيمتها التكنولوجية ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تحل معضلتها الأساسية. لا يزال الصراع طويلًا، والنجاح الأوكراني سيعتمد على قدرة كييف على تحويل التفوق التكتيكي في الطائرات بدون طيار إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *