الثقافة السعودية: من النفي إلى الإثبات عبر التراث والحداثة

18/08/2026 03:01

عندما سُئل الفيلسوف ليفيناس عن الحضارة الغربية، أجاب بأنها ثمرة لقاء الحضارة الإغريقية بالكتاب المقدس (التوراة والإنجيل). هذا الجواب يفضي إلى القول إن الثقافة السعودية المزدهرة اليوم هي ثمرة لقاء منظومة القيم ما قبل الإسلامية (الأخلاقية والإنسانوية) التي أكملها الدين، كما أشار النبي الكريم، والقيم التي يحملها القرآن.

من النفي إلى الإثبات

العمل الثقافي السعودي الذي يخاطب به العالم هو امتداد تاريخي لهذا اللقاء، وفي الوقت نفسه هو غمر الإنسان السعودي في عصره وظروفه وإنتاجه الإنساني والتقني. التفاعل الفعّال مع العصر يعني اعتماد الاعتراف الثقافي المتبادل والانتقال من موقع النفي إلى موقع الإثبات. لفترة طويلة انشغل الخطاب الثقافي السعودي بنفي تمثلات الآخرين عنه، مكرراً عبارات مثل “الثقافة السعودية ليست كذا وكذا” إلى أن وقع التحول الراهن عندما قررت المملكة الانتقال من النفي إلى الإثبات، فصرّحت: “السعودية هي…”، مما مكّنها من إظهار مخزونها الإنساني والثقافي أمام العالم وتلقّي العالم لجماليات هذه الكنوز.

الفكر المركب كمنهج

التحول الثقافي السعودي انتقل من منطق الثنائيات المبسطة (الأصالة مقابل الانفتاح، الهوية مقابل العالمية، المحافظة مقابل التحديث) إلى منطق التركيب الذي يقترب من ما يقترحه إدغار موران في كتابه “الطريق”: ضرورة تجاوز “الفكر الاختزالي” الذي يعزل الظواهر عن سياقاتها ويبحث عن تفسير واحد. اعتماد الفكر المركب يمكّن من الإمساك بالظاهرة في مستوياتها المتعددة وربط ما يبدو متعارضاً داخل بنية واحدة قادرة على إنتاج معنى جديد. ويؤكد موران أن الإصلاح الحقيقي يكمن في إصلاح طريقة التفكير نفسها، لأن الأزمات الحديثة هي في جوهرها أزمات إدراك وتنظيم للمعنى.

التحديات والمستقبل

من هذه الزاوية يمكن فهم التحول الثقافي السعودي بوصفه محاولة لإعادة تشييد مستمر لظواهر معقدة على رأسها: المصالحة بين “الاعتقاد والانتقاد” (الانتقاد لما هو خارج جوهر العقيدة)، علاقة المحلي بالعالمي، التراث وعلاقته بقيم المعرفة، ومسألة الهوية والإنتاج الثقافي. ما يحدث في السعودية هو تأسيس مبهّر لشروط نمو الكائن الإنساني السعودي بما يليق بقيمه ومكانته الإنسانية، مما يسمح له بالعيش في عصره دون خسارة نفسه، والانفتاح على العالم دون التخلي عن حقه في أن يكون مختلفاً. ويمكن القول إن هذا الفعل الثقافي يصاحبه وعي عميق بأن أي مجتمع لا يستقيم من دون معيار، وأن كل مشروع ثقافي، مهما ادعى الحياد، يستند إلى منظومة قيمية معيارية تنظم رؤيته للعلم وتحدد أفقه الأخلاقي والإنساني. إن المعيار مفهوم حيوي يرفع الإنسان نحو اكتماله الأخلاقي والمعرفي، ويمنع انزلاقه إلى سيولة فاقدة للمرجعية. لكن هذا الأفق الواسع يفرض درجة عالية من اليقظة النقدية والوعي؛ فالانفتاح يحمل مخاطر كامنة مثل المحاكاة غير المستوعبة، أو الاستلاب الثقافي، أو الاستنساخ الحضاري غير المنظم، أو الوعي المستعار والذوبان الكلي في الآخر، ما يؤدي إلى استقبال منتج الآخر دون فهم ظروف إنتاجه أو مساءلة طبيعته في السياق الجديد. وإذا كان المقال قد انطلق من المفارقة اللغوية لجذر الثقافة (ثقف) التي تعني التقويم والتهذيب، والجذر اللاتيني التي تعني الاستزراع والإنماء، فإن التجربة الثقافية السعودية الراهنة تقدم صيغة تركيبية تتجاوز هذا التقابل نحو المزج بين هذين التصورين: فهي في الوقت نفسه معيارية ومنشئة، تستنبت قدراتها الثقافية لبناء ذات ثقافية واعية بنفسها، قادرة على بناء بنية ذهنية ووجدانية مستقرة غير متوجسة من الاختلاف، ومُعَطّشة لطموحاتها، وقادرة على إعادة إنتاج ثقافتها بصورة أوسع، متجاوزة تحذير موران من اعتبار الثقافة حقيقة بدهية، ومُطالِبة بالتعاطي مع الفعل الثقافي من مبدأ المركب/المعقد. وتيرة هذا التحول متسارعة، مما يجعل الحاجة ملحة لليقظة النقدية التي تساير وتغمر في قراءة وتفكيك آليات ومآلات الفعل الثقافي السعودي الراهن. إن النقد وانتقاد سيرورة ما يحدث على مستوى الفعل الثقافي السعودي يُعدّ أعلى درجات التضامن معه، كما يرى إدوارد Said محقاً: “لا تضامن من دون نقد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *