إسطنبول / عمر فاروق مدان أوغلو / الأناضول
حذر خبيران في قضايا الأطفال في ألمانيا من أن التعقيدات الإجرائية والقضائية المرتبطة بدائرة رعاية الشباب قد تجعل عودة الأطفال المنتزعين من أسرهم أكثر صعوبة، لا سيما بين العائلات المهاجرة.
إيداع 60 ألف طفل سنوياً تحت الحماية
المحامي فاتح زنغال، المتخصص في متابعة قضايا الأطفال الذين تنتزعهم دائرة رعاية الشباب الألمانية من أسرهم، قال إن الهدف الأساسي من هذه المؤسسة الحكومية هو حماية الأطفال، إلا أن الإجراءات التي تعقب وضعهم تحت الحماية قد تستمر لفترات طويلة، مما يؤثر سلباً على فرص لمّ شملهم مع أسرهم.
وأوضح زنغال، في حديث مع الأناضول، أن دائرة رعاية الشباب تضع سنوياً نحو 60 ألف طفل تحت الحماية، مبيناً أن نسبة كبيرة منهم تنتمي إلى أسر من أصول مهاجرة.
وأضاف أن تدخل الدائرة يبدأ عادة عند الاشتباه بوجود خطر يهدد الطفل، قبل إحالة الملف إلى المحكمة للبت في مسائل الحضانة والولاية، فيما تُعقد جلسات النظر في هذه القضايا بعيداً عن العلن حفاظاً على خصوصية الأطفال.
سوء فهم ثقافي ولغوي يعقّد الإجراءات
وأشار زنغال إلى أن تحديات اللغة والثقافة تعد من أبرز المشكلات التي تواجه الأسر المهاجرة خلال هذه الإجراءات.
وقال إن بعض التعابير المجازية أو الرمزية المستخدمة في ثقافات الشرق الأوسط قد تُفسر حرفياً أمام الجهات الرسمية أو المحاكم الألمانية، ما يؤدي أحياناً إلى سوء فهم وتقديرات خاطئة.
وأضاف أن كثيراً من الأسر لا تدرك أسباب التدخل القانوني أو طبيعة الإجراءات المتبعة، رغم أن القانون يتيح لها استعادة أطفالها، إلا أن المسار العملي غالباً ما يكون “طويلاً ومعقداً”.
وأوضح أن لقاء الأطفال الموضوعين تحت الحماية مع والديهم يكون محدوداً في كثير من الحالات، وقد يقتصر على ساعة واحدة شهرياً تحت إشراف موظفين رسميين، مما يؤدي مع مرور الوقت إلى إضعاف الروابط الأسرية.
الرعاية الدائمة تعقّد العودة وتربك الهوية الثقافية
ولفت زنغال إلى أن نقص الأسر الحاضنة المسلمة يدفع السلطات أحياناً إلى إيداع الأطفال لدى أسر من خلفيات ثقافية ودينية مختلفة.
وأضاف أن فرص استعادة الأطفال تصبح أكثر تعقيداً كلما طالت مدة بقائهم خارج أسرهم الأصلية.
وقال: “الطفل قد يفقد مع الوقت علاقته بوالديه، ثم يُستند لاحقاً إلى عدم رغبته في العودة لتبرير استمرار بقائه في الرعاية”.
وأشار كذلك إلى أن الأسر الحاضنة قد ترتبط عاطفياً بالأطفال الذين ترعاهم، مما يزيد تعقيد إجراءات إعادتهم إلى أسرهم البيولوجية.
وأكد أن الأطفال يتعرضون في كثير من الأحيان لضغوط نفسية كبيرة خلال هذه التجربة، خصوصاً عند اللقاء بوالديهم بعد فترات طويلة وفي أجواء رسمية.
نقص المعرفة القانونية وضرورة التعاون المبكر
من جانبه، قال الخبير القضائي إندر بيهان بيلغين، الذي يعمل خبيراً في قضايا الأطفال أمام المحاكم الألمانية، إن ضعف معرفة الأسر المهاجرة بآلية عمل دائرة رعاية الشباب يعد من أبرز أسباب إطالة أمد النزاعات.
وأوضح أن المدارس الألمانية تضم اختصاصيين اجتماعيين يعرّفون الأطفال بحقوقهم ويشجعونهم على الإبلاغ عن أي عنف جسدي أو نفسي، مما يؤدي إلى إحالة بلاغات متعددة إلى الجهات المختصة.
وأضاف أن المؤسسات التعليمية ودور الرعاية ملزمة قانوناً بإبلاغ دائرة رعاية الشباب بأي مخاوف تتعلق بسلامة الأطفال، مشيراً إلى أن الدائرة قد تبادر إلى فصل الطفل عن أسرته فور تلقي البلاغ.
وبيّن أن بعض الأسر تصل إلى أول لقاء مع الدائرة وهي في حالة توتر وغضب نتيجة نقص المعلومات وتلقي نصائح متضاربة من المحيطين بها.
وأكد بيلغين أن التعاون المبكر مع دائرة رعاية الشباب قد يسرّع إجراءات استعادة الأطفال، موضحاً أن الدائرة تعرض عادة على الأسر توقيع بروتوكول تعاون قبل اللجوء إلى القضاء.
وأضاف أن رفض التعاون قد يؤدي إلى صدور قرارات قضائية سريعة بشأن الولاية، بينما تستغرق إجراءات التقاضي اللاحقة وقتاً طويلاً.
وأشار إلى أن أول جلسة للنظر في استعادة الولاية بمدينة ميونيخ قد تُحدد أحياناً بعد ستة أشهر من بدء الإجراءات، مما يعني بقاء الطفل طوال هذه الفترة في مؤسسة رعاية أو لدى أسرة حاضنة.
وشدد على ضرورة التمييز بين حالات العنف الحقيقي والحالات التي تنشأ عن سوء فهم أو خلافات أسرية، مؤكداً أن بعض الأطفال يرغبون في العودة إلى منازلهم بعد فترة قصيرة من إبعادهم عنها.
وقال بيلغين إن السلطات الألمانية تواجه أحياناً صعوبة في فهم بعض الخصوصيات الثقافية للمهاجرين، مثل الخلافات المتعلقة بمواعيد خروج الفتيات أو علاقاتهن الاجتماعية، مما يستدعي وجود محامين وخبراء يفهمون اللغة والثقافة والخلفيات الاجتماعية للأسر المعنية.
واستشهد بيلغين بحادثة فُسر فيها حديث أدلى به جد طفل داخل مستشفى بشأن الختان على أنه شبهة اعتداء جنسي، قبل أن يتبين لاحقاً أن الأمر نجم عن سوء فهم ثقافي كاد يقود إلى تبعات قانونية خطيرة.





