تصعيد عسكري أمريكي يطال مئات الأهداف داخل إيران ويقود إلى مواجهة وشيكة في مضيق هرمز

12/07/2026 19:00

تدخل العلاقات بين واشنطن وطهران مرحلة شديدة الخطورة في العام الحالي 2026، بعد أن نفذت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) ثلاث موجات هجومية متتالية استهدفت أكثر من ثلاثمائة موقع داخل الأراضي الإيرانية. هذا التطور يمثل انهياراً شبه كامل للتفاهمات السابقة التي كانت قائمة بين الجانبين.

رسائل عسكرية واقتصادية ونفسية

يرى المختص في الشؤون الإيرانية شادي دياب أن التصعيد الأميركي يحمل أبعاداً متعددة، أبرزها البعد العسكري، إضافة إلى محاولة قطع أي طرق قد تلجأ إليها إيران لتجاوز الخسائر الاقتصادية التي لحقت بها. ويوضح دياب أن واشنطن أرادت من خلال هذه الضربات منع أي انفتاح محدود تسعى إليه طهران بمعزل عن تسوية شاملة.

ويشير دياب إلى وجود بعد شخصي في موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وجه رسالة قاسية إلى الداخل الإيراني مفادها أن أي تهديدات موجهة إليه لن تمر دون رد، وأن الرد سيكون استباقياً. ويعتبر دياب أن الاستفزاز كان متبادلاً، فإيران هاجمت سفناً تجارية قبل أيام دون أن تدرك على ما يبدو حجم العواقب، فيما كثفت واشنطن ضغوطها لبث رسائل ردعية للنظام في طهران.

ويؤكد دياب أن أياً من الطرفين لا يملك رغبة حقيقية في العودة السريعة إلى طاولة المفاوضات، بل يحاول كل منهما تثبيت مواقفه أولاً. كما يشكك في قدرة إيران على تبرير تصعيدها الداخلي، معتبراً أن لجوءها إلى ما يصفه بـ”القرصنة” يعكس نفاد الخيارات لديها.

ويلفت دياب الانتباه إلى تناقض الروايات الإعلامية حول جولة المفاوضات الأخيرة في عمان، وإلى بيان صادر عن المرشد الإيراني دعا فيه إلى الثأر، وهو ما أعطى بحسب دياب “شرعية” للتصعيد الذي بدأته إيران. ويرى أن استهداف محافظة مسندم العُمانية يثير تساؤلات جدية حول منطق طهران في التعامل مع جيرانها، داعياً دول المنطقة إلى توحيد صفوفها والتعامل مع المفاوض الإيراني بحزم أكبر، بدلاً من السماح له بالمناورة بعد كل جولة تفاوضية.

وجهة نظر إيرانية

في المقابل، يرى رئيس تحرير صحيفة “إيران دبلوماتيك” عماد أبشناس أن إيران كانت تتوقع الرد الأميركي وكانت مستعدة له، وأن رسالتها الأساسية هي أنها لن تسمح بمرور السفن عبر مضيق هرمز دون تنسيق معها، وأنها مستعدة للعودة إلى حرب شاملة إذا لزم الأمر. ويتهم أبشناس واشنطن بعدم الوفاء بتعهداتها ضمن تفاهم الإطار، مؤكداً أن إيران لا تحتاج إلى رادارات لرصد السفن العابرة في المضيق الضيق جغرافياً، وأن العمل العسكري الأميركي لن يحقق نتيجة، وأن الحل الوحيد هو المسار الدبلوماسي والسلمي.

تحليل إقليمي ودولي

من زاوية أخرى، يصف الباحث السياسي جعفر سلمان ما يجري بأنه استمرار للنهج التصعيدي الإيراني الذي لم يحقق مكاسب استراتيجية سابقاً، مؤكداً أن دول مجلس التعاون الخليجي ترفض الحرب أساساً وترفض وضع مضيق هرمز تحت الإدارة الإيرانية بما يخالف القانون الدولي. ويرى سلمان أن فتح الممر العماني سلب إيران آخر أوراقها بطريقة قانونية، ما دفعها إلى اللجوء إلى القوة لفرض واقع جديد، معرباً عن اعتقاده بأنها لن تفلح في ذلك وستضطر في النهاية للتنازل كما تنازلت عن “لاءات” سابقة.

ويضيف سلمان أن النظام الإيراني لم يستوعب الدروس من تعامله مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سبق أن نفّذ تهديداته بدقة زمنية في مفاوضات سابقة، محذراً من أن استمرار الحرب وتوسّع الأطراف المنخرطة فيها قد يؤدي إلى إسقاط النظام عسكرياً، وهو أمر يصفه بـ”المكلف لكنه ممكن”. ويشير إلى أن الهدف الأميركي هو رفع كلفة استهداف السفن على إيران إلى حد يدفعها للتفكير الجدي في التفاوض، لا تدمير قدرتها الكاملة على تهديد الملاحة.

أما مدير برنامج الشرق الأوسط في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية فادي حيلاني، فيرى أن مذكرة التفاهم “ولدت ميتة” عملياً وباتت في “غرفة الإنعاش”. وأشار إلى أن التدرّج في عدد الأهداف بين الجولات الثلاث (80 ثم 90 ثم 140 هدفاً) يحمل رسائل أميركية على ثلاثة مستويات: استثمار التفوق العسكري لمنع إيران من التمسك بمضيق هرمز كورقة تفاوضية، التوازن بين الحزم العسكري والقنوات الدبلوماسية التي لا تزال مفتوحة جزئياً، وتحميل النظام الإيراني بأكمله مسؤولية أي عرقلة للملاحة أياً كان الجناح المسؤول عنها داخلياً.

ويؤكد حيلاني أن مقايضة مضيق هرمز بالملف النووي أمر غير وارد أميركياً، وفق ما نقله وزير الخارجية ماركو روبيو لدول الخليج، مشدداً على أن واشنطن لا تتخلى عن أهدافها الاستراتيجية. ويشير إلى أن الولايات المتحدة تنتهج سياسة “إعماء” لقدرات إيران الرصدية عبر استهداف الرادارات والمسيّرات، بالتوازي مع العمل مع سلطنة عمان والمنظمة البحرية الدولية لتمرير السفن عبر ممرات بديلة، إضافة إلى امتلاكها خيارات تصعيدية إضافية كالحصار البحري الذي لم تفرضه بعد. ويعتبر حيلاني أن إيران لم تلتزم بأي بند من تفاهم الإطار رغم التزام واشنطن برفع الحصار وتعليق العقوبات، مشككاً في شرعية حديث طهران عن القانون الدولي في ظل تمويلها ميليشيات مسلحة في عدة دول من دون موافقتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *