أفادت تقارير ومصادر مطلعة أن تسارع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي قد أعاد تشكيل ميدان المراقبة والأمن السيبراني، ما أثار قلقًا متصاعدًا داخل الأوساط الأمنية الروسية، لا سيما فيما يخص صون الرئيس فلاديمير بوتين وكبار المسؤولين.
تعليق جزئي على نظام المراقبة الخاص بعد اغتيال في طهران
أشارت المصادر إلى أن أجهزة الأمن في روسيا أوقفت جزئيًا تشغيل منظومة مراقبة مخصصة لحماية الرئيس ومقربيه، وذلك عقب عملية اغتيال استهدفت المرشد الإيراني علي خامنئي في العاصمة طهران. وتظهر المخاوف من إمكانية استغلال الذكاء الاصطناعي لبيانات الكاميرات في تعقب وتحديد الأهداف، وفق ما نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز».
إعادة تشغيل النظام بعد فحص تقني مكثف
يعمل هذا النظام بصورة مستقلة عن شبكة المراقبة العامة في موسكو، التي تضم ما يقارب 300 ألف كاميرا موزعة على أرجاء العاصمة. وبعد خضوعه لسلسلة من الفحوصات التقنية الدقيقة، عُزل بالكامل عن الإنترنت قبل أن يُعاد تشغيله، في إطار سعي المسؤولين لتقليل مخاطر الاختراق أو الاستخدام غير المصرح به.
تحذيرات من تحول المنظومة إلى نقطة ضعف
أفاد مدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) ألكسندر بورتنيكوف للمسؤولين الإقليميين أن البنية الواسعة للمراقبة قد تصبح نقطة ضعف خطيرة يمكن للخصوم استغلالها. وأكد بورتنيكوف أن «القضاء الأخير على مسؤولين إيرانيين كبار يمثل إشارة تحذير واضحة»، مضيفًا أن مواقع الضحايا حدِّدَت جزئيًا عبر «أبواب خلفية» في أنظمة المراقبة المرئية الإيرانية.
قوة الذكاء الاصطناعي في تحليل الفيديو وتحديد السلوكيات
على الرغم من أن اختراق كاميرات المراقبة ليس بالأمر الجديد للأجهزة الاستخباراتية المتقدمة، إلا أن التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي وفرت قدرات غير مسبوقة لاستخلاص الأنماط السلوكية من كميات هائلة من الصور والفيديو. وذكرت مصادر إقليمية أن الاستخبارات الإسرائيلية استخدمت هذه التقنيات لرسم خريطة دقيقة لطهران، وتحليل تحركات حراس المسؤولين، واستخلاص أهداف من ملايين الساعات المصورة، مع دمجها ببيانات استخباراتية أخرى تشمل مصادر بشرية.
يؤكد خبراء الأمن أن قدرات الذكاء الاصطناعي البصرية شهدت تطورًا ملحوظًا منذ عام 2023، وتقدمت بشكل واضح خلال العام الماضي. فبدلاً من الاقتصار على بحث محدد مسبقًا، صارت الأنظمة الحديثة قادرة على إجراء استفسارات بلغة طبيعية داخل مقاطع الفيديو. على سبيل المثال، يمكن للمحلل أن يطلب من النظام البحث عن «شخصين يتبادلان حقيبة»، أو «شخص غيّر مظهره عدة مرات خلال يوم واحد»، أو «سيارة أُعيد طلاؤها حديثًا»، فيجد المشهد المطلوب بين آلاف الساعات من التسجيل خلال دقائق معدودة.
حذّر مسؤولو الأمن الروسي من أن شبكات المراقبة الواسعة قد تتحول من أداة حماية إلى ثغرة استراتيجية إذا لم تُؤمن بشكل صارم، مؤكدين أن «أي ثغرة رقمية قد تُستغل في عمليات استهداف دقيقة». وفي الوقت نفسه، صرح مسؤول أوروبي أن هذه التكنولوجيا تمثل «الكأس المقدسة للمراقبة» لأنها تسمح بالبحث عن سلوكيات وليس فقط عن أشخاص أو أشياء، ما يفتح آفاقًا جديدة أمام الأجهزة الأمنية والاستخبارية.
يرى خبراء أن هذه القدرات تحول كاميرات المدن إلى مصادر معلومات استراتيجية يمكن للخصوم استغلالها لاستخراج أنماط حياة وعلاقات وتحركات الأفراد والمنشآت الحساسة. وقد اتخذت الهند، على سبيل المثال، إجراءات لتقييد استخدام الكاميرات الصينية داخل أراضيها نتيجة تصاعد المخاوف من استغلالها لأغراض أمنية.
من جهتها، تواصل الصين، التي تُعد من أكبر مستخدمي أنظمة المراقبة الذكية، استثماراتها في كاميرات وبرمجيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تفسير المشاهد، تحليل السلوكيات، والبحث داخل الفيديو بأوامر مكتوبة. غير أن هذه القدرات قد توفر للخصوم فرصًا أكبر لاختراق الأنظمة والاستفادة من البيانات المتجمعة.
تشير تقديرات بعض الخبراء إلى أن تقنيات حديثة أصبحت قادرة على ربط بيانات الفيديو بمصادر أخرى مثل الاتصالات، وسائل التواصل الاجتماعي، وسجلات التنقل، لتكوين صورة شاملة عن تحركات الأفراد وسلوكهم اليومي. ورغم هذا التقدم، يؤكد محللون أن الأنظمة ليست معصومة من الأخطاء، ولا تزال تواجه تحديات تقنية وعملانية، خصوصًا في البيئات المعقدة أو أمام أساليب تمويه تقليدية تعتمدها بعض الجماعات المسلحة.
في ختام التحليل، يستنتج المراقبون أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا جذريًا في ميدان الاستخبارات والمراقبة، حيث حوّل كاميرات المدن من أدوات تسجيل سلبية إلى شبكات تحليل نشطة قادرة على إعادة تعريف مفهوم الأمن والاختراق على حد سواء، ما يستدعي من الدول إعادة تقييم استراتيجيات الحماية الرقمية والبنية التحتية الأمنية.





