لا يختلف اثنان على القيمة الجوهرية للعمل الخيري، ولا يمكن إنكار فضل المحسنين وأصحاب الأعمال والمؤسسات الخيرية في دعم الأسر المحتاجة وتخفيف معاناتها. ومع ذلك، يبرز سؤال جوهري في وقتنا الراهن: هل يكفي تقديم مبلغ مالي شهري للمحتاج، أم أن الأجدى هو تمكينه من الاستغناء عن تلك المساعدة؟
إعادة تعريف مفهوم العطاء
في تقديري، إن أسمى صور العمل الخيري هي تلك التي تنقل الفرد من دائرة المحتاجين إلى مصاف المنتجين. فبدلاً من أن تستمر الجمعية في صرف المساعدات المالية لنفس الأسرة لسنوات طويلة، لماذا لا تُجري دراسة شاملة لحالتها، وتكتشف قدرات أفرادها، ثم توفر لهم التدريب والتأهيل اللازمين، وتساعدهم في الحصول على وظيفة أو إنشاء مشروع صغير يتناسب مع إمكانياتهم؟
استثمار المهارات الكامنة
هناك أم تمتلك مهارة في الطهي، وأخرى تتقن الخياطة، وشاب قادر على العمل في صيانة الأجهزة، وآخر بارع في الحاسب الآلي، وثالث يستطيع العمل في التجارة الإلكترونية. هؤلاء لا يحتاجون إلى المال فقط، بل يحتاجون إلى من يفتح لهم الأبواب. قد يكون مبلغ المساعدة الذي تقدمه الجمعية لأسرة خلال عام كافياً لتدريب أحد أفرادها، أو شراء أدوات لمشروع صغير، أو تأهيله لوظيفة ثابتة. وبعد فترة، قد تصبح الأسرة قادرة على الاعتماد على ذاتها، بل وقد تتحول من أسرة تتلقى المساعدة إلى أسرة تساهم في مساعدة الآخرين.
نحو تمكين دائم
وهنا يتحول مفهوم الصدقة من إعانة مؤقتة إلى تمكين دائم. ولا يعني ذلك وقف المساعدات عن المحتاجين؛ فهناك كبار سن ومرضى وأسر لا تستطيع العمل، وهؤلاء لهم حقهم في الرعاية والدعم. لكن القادر على العمل والإنتاج يجب أن يحصل على فرصة حقيقية للخروج من دائرة الاحتياج.
دور المؤسسات ورجال الأعمال
وأتمنى أن نشهد في جمعياتنا الخيرية برامج أكثر تخصصاً تحت عنوان: «من مستفيد إلى منتج»، بحيث تُنشأ قاعدة بيانات لمهارات أفراد الأسر المحتاجة، وتربطهم بالقطاع الخاص، ومراكز التدريب، وأصحاب المشاريع، مع تقديم تمويل صغير لمن لديه فكرة قابلة للتنفيذ. كما يمكن لرجال الأعمال أن يضطلعوا بدور أكبر؛ فبدلاً من أن يقتصر دعمهم على التبرع المالي، يمكنهم تقديم التدريب والخبرة والفرص الوظيفية، وتبني عدد من الأسر حتى تصل إلى مرحلة الاعتماد على النفس.
إن أجمل لحظة في العمل الخيري ليست عندما يتسلم المحتاج المساعدة، بل عندما يأتي اليوم الذي يقول فيه: «لم أعد بحاجة إلى المساعدة، أصبحت قادرًا على إعالة أسرتي بنفسي». هذه هي التنمية الحقيقية، وهذا هو العطاء الذي يستمر أثره. نحن لا نريد بناء مجتمع يعتمد على المساعدات، بل مجتمع يجد فيه كل قادر على العمل فرصة، وتدريبًا، وتمويلًا، وطريقًا واضحًا نحو الاستقلال. فالمال ينتهي، أما المهارة والفرصة والعمل فإنها قد تغير حياة إنسان وأسرة كاملة.





