الجامعات السعودية: نحو مجتمع علمي ممتد يتجاوز ساعات الدوام

31/08/2026 01:01

يتساءل كثيرون عما إذا كانت بعض جامعاتنا أصبحت أشبه بمؤسسات يهدأ فيها النشاط العلمي فور انتهاء المحاضرات وساعات العمل الرسمية، مع أن الجامعة في حقيقتها مجتمع علمي يستمر فيه التعليم والبحث والنقاش والتجريب والابتكار بعد وقت الدوام.

إعادة تعريف وقت العمل الجامعي

في بيئات جامعية متعددة، يلاحظ تراجع الحراك الأكاديمي والبحثي بعد انقضاء الساعات الاعتيادية للمحاضرات والعمل الإداري، رغم وجود برامج دراسات عليا ومختبرات ذات تقنيات عالية، ومكتبات غنية، ومراكز بحثية، وحاضنات لريادة الأعمال والابتكار. هذا يطرح تساؤلاً حول مدى الاستفادة من هذه الإمكانات خارج أنماط التشغيل التقليدية.

لذلك يقترح الانتقال من مفهوم «ساعات الدوام» إلى مفهوم «صلاحية الوصول»، الذي يتيح للطالب والباحث استخدام المكتبات والمساحات والمختبرات وفق احتياجاتهم، عبر أنظمة دخول محددة وشروط تدريب وأمن وسلامة، مع إمكانية الوصول المتأخر أو خلال عطلات نهاية الأسبوع للأنشطة التي تتطلب متابعة مستمرة.

تحسين استخدام المختبرات والموارد

تشير ممارسات عدد من الجامعات العالمية المتقدمة إلى أن الحياة العلمية والأكاديمية فيها لا تقتصر بالضرورة على ساعات الدوام الإداري؛ فبعضها يفتح مكتباته ومساحات الدراسة والتعلم حتى ساعات متأخرة من الليل، ويتيح بعضها الوصول إلى مرافقها على مدار الساعة. كما يُمنح الباحثون وطلبة الدراسات العليا المؤهلون صلاحية دخول المختبرات والمرافق البحثية خارج أوقات العمل العادية، وفق أنظمة دخول محددة وبعد استيفاء متطلبات التدريب والسلامة وتقييم المخاطر بحسب طبيعة النشاط.

فبعض التجارب تتطلب المتابعة أو القياس في أوقات مختلفة من اليوم أو خلال عطلة نهاية الأسبوع، والهدف ليس فتح الأبواب بلا ضوابط بل الانتقال من مفهوم «ساعات الدوام» إلى مفهوم «صلاحية الوصول» بما يتيح للطالب والباحث الاستفادة من البيئة الجامعية وفق احتياجاتهم التعليمية والبحثية، ضمن منظومة تشغيلية وأمنية وإجرائية تحمي الأشخاص والمرافق والتجهيزات.

ولقد استثمرت الدولة استثمارات ضخمة في الجامعات السعودية، شملت البنية التحتية والمختبرات والمراكز البحثية وبرامج الدراسات العليا، مما أسهم في تراكم قدرات علمية ملحوظة. لكن ما يلزم الآن هو الانتقال من السؤال عن ما نمتلك إلى سؤال أكثر جوهرية: ما مدى كفاءة استخدام ما لدينا، وما هو العائد العلمي والتنموي الذي ينجم عن هذه الاستثمارات؟ بعض المختبرات مجهزة بأجهزة علمية متطورة أنفقت الدولة عليها مبالغ كبيرة للحصول عليها. القيمة الفعلية لهذه الأجهزة لا تقتصر على امتلاكها، بل تتحدد بمستوى استخدامها وما تسهم في إنتاجه من أبحاث وابتكارات. وقد تصبح هذه الأجهزة قديمة من الناحية التقنية قبل تحقيق الاستفادة الكاملة منها، إضافة إلى ارتفاع تكاليف صيانتها وتحديثها.

ولا تكفي كفاءة المختبرات بالأجهزة فقط؛ إذ يتطلب البحث التجريبي إتاحة سريعة للمواد والمستهلكات والكواشف. وقد تتسبب الإجراءات الإدارية والمالية الطويلة في تأخير التجارب وتعطيل الباحثين وطلبة الدراسات العليا. الوقت في البحث العلمي يمثل مورداً ثميناً، والإمدادات التي تصل بعد فوات الأوان لا تحقق الهدف من توفيرها. ومن هنا تظهر ضرورة إنشاء مسارات اقتناء بحثية أكثر مرونة وسرعة، مع وضوح الضوابط المالية والرقابية.

مقاييس أداء جديدة للجامعات

كما نحتاج إلى تعزيز فكرة «الجامعة المتسعّة»، ليس عبر تمديد أوقات عمل كل الموظفين، بل من خلال وضع نماذج تشغيل مرنة للمكتبات والمساحات الدراسية والمختبرات والمراكز البحثية ووحدات الابتكار وريادة الأعمال، بحيث يمكن الاستفادة منها حسب نوع الطلب والضرورة، مع ضمان توفير شروط السلامة والأمن والدعم التقني.

ولا يحد الحراك الجامعي من مجرد توفير المرافق؛ بل يُصنع من خلال حلقات النقاش، والمجموعات البحثية، والمحاضرات وورش العمل، ومشاريع طلبة الدراسات العليا، ولقاءات العلم والمهنة مع الصناعة والقطاع الخاص.

وقد يكون من المناسب مراجعة مؤشرات أداء الجامعات؛ إذ لا يكفي الاكتفاء بعدد المختبرات والأجهزة والمراكز البحثية، بل يتوجب قياس نسب الاستفادة منها، وساعات تشغيل الأجهزة عالية التكلفة، وعدد المستفيدين، وسرعة تأمين المستلزمات البحثية، ومخرجات البحث من براءات وابتكارات وحلول تعود بعوائد علمية واقتصادية واجتماعية.

ويستلزم ذلك إتاحة مرونة أكبر للكليات والمراكز البحثية في إدارة مرافقها ومواردها، وتوجيه التمويل والحوافز نحو كفاءة الاستغلال وجودة النتائج والتأثير المحقق.

الجامعة التي ينخفض فيها النشاط العلمي والبحثي بعد انتهاء الدوام قد تقدم مستوى تعليمياً مقبولاً، إلا أن إقامة مجتمع علمي وبحثي وابتكاري تنافسي تستلزم حياة أكاديمية تتجاوز حدود المحاضرات وساعات العمل الرسمية.

إن سعي جامعاتنا لتعزيز مكانتها العالمية والمساهمة في اقتصاد المعرفة يقتضي تحولها من مؤسسات تقتصر على تدريس العلم إلى بيئات نشطة ينتج فيها العلم، ويتم مناقشته واختباره وتحويله إلى حلول ومنتجات وفرص تنموية.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يجب أن يواجه صانع القرار ليس عن وقت انتهاء الدوام الجامعي، بل عن مدى استمرار النشاط العلمي والبحثي بعد ساعات العمل الرسمية، وما هو العائد العلمي والتنموي الذي يتحقق من الاستثمارات والإمكانات التي وفرتها الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *