تأملات في يوم الأب: بين ذكرى الراحل وتقدير الحاضر

23/06/2026 07:01

ذكريات يوم الأب وتأملات الغياب

تزامن ذكرى رحيل الوالد مع مناسبة يوم الأب هذا العام، فعادت بي الذاكرة إلى سنين مضت لا لاستعادة لحظة الفقد بل لتأمل ما خلفه الغياب في داخلي. فالأيام لا تعيد من ذهب، لكنها تظهر مع مرور الوقت أمورًا لم نكن نلاحظها وهو بيننا.

معنى الأبوة ودروس الصمت

بعد فقد الوالد بدأت ألتفت إلى تفاصيل لم أكن أنتبه لها من قبل: صوته يسأل عن أحوالنا، نظرته التي تطمئننا قبل أن ينطق بكلمة، وجوده في المجلس، وحرصه على جمع الأسرة. تلك الأمور التي بدت عادية اتضح أنها كانت تمنح البيت روحه وتمنح الأبناء شعورًا بالأمان.

ومع مرور السنين تغير فهمي للأبوة؛ فالأب ليس مجرد من يعمل ويكسب وينفق، بل هو من يحمل هموم الأسرة بصمت، ويؤجل راحته من أجل راحتهم، ويمنح الأبناء الثقة قبل المال والاستقرار قبل أي شيء آخر. وغالبًا ما لا يدرك الأبناء حجم هذا العطاء إلا عندما يواجهون الحياة من دونه.

فرصة لتقدير الآباء الأحياء وذكرى الراحلين

وبهذا فإن يوم الأب ليس مجرد مناسبة بل فرصة لمراجعة علاقتنا بآبائنا. فهناك آباء ما زالوا بين أبنائهم ينتظرون زيارة قصيرة، أو اتصالًا يطمئنهم، أو جلسة عائلية يستمعون فيها إلى أحاديث من تعبوا من أجلهم. هذه اللحظات البسيطة قد تكون عندهم أعظم من أي شيء آخر لأنها تعني أن مكانتهم ما زالت محفوظة في قلوب أبنائهم.

ومن فقد والده يدرك أن البر لا ينتهي عند الرحيل؛ فباب الدعاء لا يغلق، والصدقة تبقى، وصلة الرحم التي كان يحبها تستمر، وكل خلق حسن تعلمناه منه هو صورة من صور الوفاء له. وبذلك يتحول الغياب من ألمٍ خالص إلى مسؤولية؛ مسؤولية أن نحفظ أثره وأن نبقي سيرته الطيبة حاضرة في حياتنا.

أما أنا فكلما مر عام جديد ازددت يقينًا أن والدي لم يترك لي ذكرى فحسب بل ترك لي منهجًا أعود إليه كلما التبست عليّ الحياة، وهذا في نظري أعظم ما يورثه الآباء لأبنائهم.

رحم الله أبي، ورحم جميع الآباء الذين غادروا الدنيا، وحفظ الله الآباء الأحياء. فمن كان والده إلى جواره فليغتنم هذه النعمة وليمنحه من وقته واهتمامه ما يستحق. وأما من فقد والده فليبق الدعاء حاضرًا، فهو لغة البر التي لا تنقطع وجسر المحبة الذي يمتد حتى بعد الرحيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *