بعد انتهاء الخدمة.. كيف نستثمر خبرة الأكاديميين؟

شارك
بعد انتهاء الخدمة.. كيف نستثمر خبرة الأكاديميين؟

شهدت بعض الأوساط الأكاديمية في السنوات الأخيرة توجهًا لافتًا يتمثل في تقليص الاعتماد على الخبرات العلمية المتراكمة، سواء من خلال التخلي عنها بشكل تدريجي، أو بوضع معايير وضوابط قد تؤدي في بعض الحالات إلى استبعاد كفاءات كان بإمكانها أن تبقى مصدرًا مهمًا للمؤسسة ولأجيالها الصاعدة.

التجديد لا يعني القطيعة مع الخبرة

المسألة ليست في التحديث أو منح الفرصة للشباب؛ فتعاقب الأجيال شرط أساسي للتقدم، غير أن التحديث لا يجب أن يُفهم على أنه انقطاع عن أصحاب الخبرة، كما أن دعم الجيل الجديد لا يقتضي إقصاء من سبقوه. والمؤسسات الناضجة هي التي تمد جسورًا بين الأجيال المختلفة، وليست تلك التي تعيد البناء من الصفر مع كل جيل.

وتكتسب المسألة أهمية مضاعفة في الجامعات؛ إذ لا يخرج الأستاذ الجامعي بعد سنوات طويلة من العمل وهو يحمل شهادة علمية فحسب، بل يملك معرفة متراكمة وذاكرة للمؤسسة وخبرة واسعة في التدريس والبحث والإدارة واتخاذ القرار. وكثير ممن يبلغون سن التقاعد شغلوا مناصب قيادية، وجلسوا في مجالس ولجان، وساهموا في وضع برامج وأنظمة ومشاريع ومبادرات.

خسارة وطنية لا تقتصر على المؤسسة

ويشكل هؤلاء أيضًا ثمرة استثمار وطني ممتد؛ إذ أنفقت الدولة على تعليمهم وتأهيلهم، وبعثت كثيرًا منهم للدراسة، ووفرت لهم التدريب وبناء القدرات العلمية والبحثية والقيادية. لذلك فإن عدم استثمار خبراتهم لا يعد خسارة للمؤسسة فقط، بل إهدارًا لجزء من رأس المال المعرفي الوطني الذي تراكم على مدى عقود، ما دام أصحابه قادرين على العطاء.

ومن الطريف أن الأكاديمي قد يظل حتى آخر يوم في عمله عضوًا في المجالس واللجان، وشريكًا في اتخاذ القرار، ثم تنقلب علاقته بالمؤسسة رأسًا على عقب فور تقاعده. والمراد هنا ليس الإبقاء على الامتيازات الوظيفية، بل صون الانتماء والرابط الأكاديمي والمؤسسي، وتوفير إمكانية الدخول إلى المكتبات وقواعد البيانات والمنصات البحثية، والمشاركة في الفعاليات العلمية والمجالس الاستشارية، ضمن قواعد واضحة؛ إذ يفترض بالتقاعد أن يعدّل طبيعة العلاقة لا أن ينهيها.

مجالات العطاء ونماذج عالمية

ويظل التعليم والتدريس في صدارة مجالات العطاء الممكنة؛ فسنوات طويلة في قاعات الدرس تمنح الأكاديمي قدرة على تبسيط المعرفة وفهم الطلاب ورصد مواهبهم وتوجيههم في مساراتهم العلمية والمهنية. وهذه المهارة تزداد نضجًا مع الممارسة، ويعد نقلها إلى الأجيال المقبلة من أبرز صور توارث المعرفة.

غير أن قيمتهم لا تقتصر على التدريس؛ فكثيرون منهم يمتلكون خبرات بحثية واسعة وشبكات تعاون علمي، وأشرفوا على أجيال من الباحثين وطلاب الدراسات العليا، ويمكن أن يستمر عطاؤهم في مجالات البحث والنشر والمشاريع العلمية والاستشارات والتحكيم والإشراف ومناقشة الرسائل.

وتعرض بعض الجامعات حول العالم نماذج جديرة بالاهتمام؛ فهناك في جامعات كندية وأمريكية أطر تسمح لأساتذة متقاعدين مؤهلين بمواصلة البحث والعمل مع طلاب الدراسات العليا والإشراف عليهم والمشاركة في النشاط العلمي ضمن ضوابط محددة. والخلاصة أن نهاية الوظيفة ليست نهاية القيمة.

كما يمكن توسيع نطاق الاستفادة على المستوى الوطني ليشمل طلاب المرحلة الثانوية، من خلال الإثراء العلمي، والإرشاد الأكاديمي والمهني، ودعم البحث والابتكار، والإشراف على مشروعات الطلاب، واكتشاف المواهب، وتهيئتهم لاختيار التخصص الجامعي.

والمقصود ليس إعادة المتقاعدين إلى المناصب التنفيذية أو حرمان الكفاءات الشابة من فرصها، وإنما المطلوب نموذج انتقائي ومنضبط يكون معياره الكفاءة والقدرة على العطاء والقيمة التي يضيفها الشخص، بما يحقق التكامل بين طاقة الجيل الجديد وحكمة الجيل السابق.

مسؤولية صناع القرار

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق صناع القرار، إذ ينبغي أن ينظروا إلى الأكاديمي المتقاعد باعتباره رأس مال معرفيًا وتعليميًا وبحثيًا ووطنيًا، وأن يضعوا إطارًا مرنًا للاستفادة منه في التدريس والبحث والدراسات العليا، ونقل المعرفة، والإرشاد، والمجالس واللجان المتخصصة.

فالتكريم الحقيقي للخبرة لا يتحقق بحفل توديع أو درع تذكاري، بل بمواصلة الاستفادة منها. وبناء جيل جديد لا يستدعي إبعاد الجيل السابق، بل تمكين الجديد من البناء على ما أنجزه من سبقوه والانطلاق منه نحو آفاق أوسع.

وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار ليس متى تنتهي خدمة الأكاديمي، بل كيف نحافظ على العائد الوطني من خبرته بعد انتهاء الخدمة. فالوظيفة قد تنتهي بقرار إداري، لكن المعرفة التي تشكلت عبر عقود من الاستثمار والتعليم والبحث والتجربة لا ينبغي أن يُكتب لها التقاعد.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *