الإعلان عن التحول الرقمي وانقسام الفريق
صديق يعمل في المجال الإعلامي أخبرني أن إدارة مؤسسته أعلنت مرة عن نيتها الدخول في تحول رقمي شامل لا يقتصر على تغيير الأدوات بل يعيد تشكيل طريقة العمل ككل.
كما يحدث مع أي تغيير كبير، انقسم الموظفون بسرعة إلى فريق رأى في الفرصة القادمة مجالاً للتطور وفريق خشي أن يفقد ما اعتاد عليه من روتين مألوف.
الفريق الثالث silencioso ومفهوم الثقة
لكن الصديق لاحظ وجود فريق ثالث لم يعارض التحول ولم يدافع عن الماضي ولم يحاول تعطيل المشروع؛ بل استمع إلى الوعود الجديدة بهدوء ثم عاد إلى مكتبه وكأنه لم يحدث شيء.
ربما نخطئ عندما نصف هذا السلوك بـ«مقاومة للتغيير»؛ فقد يكون الموظف الذي لا يتحمس للمبادرة السادسة ليس كسولاً ولا أسيراً للماضي، بل أصبح ببساطة أقل تصديقاً لوعود المؤسسة.
جاهزية الفريق وحساب الثقة القيادي
في مقال للكاتب ستيفن موريس titulado «قبل إطلاق الإستراتيجيات الجديدة، قيّم أولًا جاهزية فريقه» يطرح ما يسميه «ثالوث الجاهزية»: الرغبة، والقدرة، والمهارات؛ ويشير إلى أن حتى أفضل الاستراتيجيات تموت على الورق إذا افتقد الموظفون أحد هذه العناصر.
لكن السؤال الذي يسبق ذلك كله هو: هل يصدق الموظفون الإدارة عندما تقول إن هذه المرة مختلفة؟
المؤسسات، مثل الأفراد، تحمل تاريخها معها؛ الموظف يتذكر استراتيجية أُطلقت بضجيج ثم اختفت، ومشروع تحول وُصف بأنه أولوية قبل أن يحل محله مشروع أكثر بريقاً.
وفي أدبيات الإدارة يعرف ذلك بـ«السخرية تجاه التغيير التنظيمي»؛ حيث تفقد الوعود الجديدة قوتها بسبب التجارب السابقة.
وقد ربطت أبحاث إدارية هذه الظاهرة بالالتزام والمشاركة والأداء، بينما وجدت دراسة شملت 320 مشاركًا أن توالي التغييرات قد يؤدي إلى «إرهاق التغيير» والتشكيك فيه.
الإنسان لا يكره التجديد بالضرورة؛ بل يتعلم من التجربة، وبعد مبادرات كثيرة لم تصل إلى نهايته يتعلم الموظف ألّا يستثمر حماسه في كل إعلان جديد.
لهذا تبدو الثقة أشبه بحساب ائتماني للقيادة: كل وعد تنفذه الإدارة إيداع، وكل وعد تنساه سحب، وكل مرة تطلب آراء الموظفين ثم تتجاهلها يتآكل الرصيد أكثر.
حتى إذا أعلنت الإدارة عن استراتيجية ممتازة، تكتشف أن المشكلة ليست في الاستراتيجية بل في أن حسابها لدى الناس أصبح فارغاً.
والأخطر أن فاقد الثقة لا يتمرد بالضرورة؛ فقد يحضر الاجتماعات، ويجيب عن الاستبيانات، وينفذ المطلوب، لكنه في داخله ينتظر.
لذلك، قبل أن تسأل الإدارة: «هل موظفونا مستعدون للتغيير؟»، عليها أن تسأل: «هل أعطيناهم سبباً ليصدقونا؟».
التغيير الحقيقي لا يبدأ بالإعلان، بل عندما تتعلم المؤسسة أن تنهي ما بدأته، وتعترف بفشلها، وتشرح تراجعها، ولا تسمي كل مشروع «تحولاً تاريخياً».
الموظفون يتذكرون؛ والمؤسسات التي تنسى ذلك قد تكتشف متأخرة أن أثمن ما فقدته ليس مشروعاً أو استراتيجية، بل أن يقول القائد: «هذه المرة نحن جادون».. فيصدقه الناس.






