اكتشاف موقع «شعب دحضة» يكشف عن أقدم دلائل للاستيطان البشري في نجران

27/08/2026 15:07

الاكتشاف والسياق الأثري

أضاءت هيئة التراث على موقع «شعب دحضة» الواقع في منطقة نجران جنوب غرب المملكة، مشيرة إلى أنه أحد المواقع البارزة التي تسجل أولى علامات الاستيطان البشري في شبه الجزيرة العربية، حيث أسفر الاستطلاع عن العثور على أدوات حجرية يقدر عمرها بما يتراوح بين 1.2 و1.8 مليون سنة.

تم رصد هذه الآثار خلال تنفيذ المسح الأثري الشامل الذي جرى في عام 1400هـ (1980م)، حيث لاحظ الباحثون وجود الأدوات فوق إحدى المصاطب الحصوية التي تشرف على وادي نجران؛ وقد ساعد الانجراف الطبيعي للتربة على كشف طبقات استيطانية قديمة، من بينها عينة تتألف من 34 قطعة حجرية تنتمي إلى العصر الحجري القديم الأسفل.

الأدوات والصناعة الحجرية

تشير التحليلات إلى أن المصنوعات الحجرية المكتشفة تنتمي إلى تقليد الأولدوانية، الذي يُعد أقدم أسلوب لصنع الأدوات لدى البشر؛ واعتمد السكان المحليون على صخور الكوارتزيت المتوفرة في البيئة المحلية لتشكيل أدوات حادة استُخدمت في أنشطة مثل تقطيع اللحم، كسر العظام، وفرك الجلود.

تتضمن المجموعة المكتشفة قواطع مصنوعة من الحصى النهرية، وأدوات ذات أسطح متعددة، ومكاشط، وشظايا ناتجة عن طرق النوى الحجرية؛ كما لوحظ وجود طبقة من «العتق» على بعض القطع، ما يشير إلى طول الفترة التي مرت عليها ويساعد في تحديد السياق الأثري للموقع.

البيئة الطبيعية وأهميتها

يقع موقع شعب دحضة ضمن منظومة وادي نجران عند المنحدرات الشرقية لجبال السروات، حيث توفرت في العصور الغابرة مصادر مائية وصخور مناسبة لصناعة الأدوات بالإضافة إلى غطاء نباتي وحيواني غني، ما جعل المنطقة بيئة جاذبة للمجموعات البشرية الأولى؛ وتشير الدراسات المناخية إلى أن الجزيرة العربية شهدت خلال حقبة البلايستوسين فترات أمطار تحولت فيها الأودية إلى مواطن أكثر رطوبة وتنوعًا بيولوجيًا.

تصريحات المسؤولين وأهمية الموقع

قال الدكتور عجب العتيبي، المسؤول عن قطاع الآثار في هيئة التراث، إن الهيئة مستمرة في جهود الحفظ والتوثيق والدراسة للمواقع الأثرية، وأكد أن موقع «شعب دحضة» يضيف إلى فهمنا لتسلسل المواقع وأهميته العلمية، ويشدّد على ضرورة الحفاظ على معالمه وتشجيع الأبحاث المتخصصة حول مسار الاستيطان البشري في السعودية.

من جهته، وصف محمد آل هتيلة، رئيس جمعية الآثار والتاريخ بمنطقة نجران، الاكتشافات الأخيرة بأنها دليل استثنائي على عراقة الاستيطان البشري في شبه الجزيرة العربية، موضحًا أنها تكشف عن مجموعة متكاملة من أدوات الحجر الأولدواني المبكر التي تدل على قدرة الإنسان الأول على الابتكار واستغلال الموارد المحلية لتلبية احتياجاته اليومية.

تنوعت الأدوات المستخرجة بين القواطع الكبيرة والمكاشط والشفرات الدقيقة والمطارق والأدوات متعددة الاستخدامات، مما يعكس نمط حياة بدائي للمجتمعات القديمة في نجران ويعزز مكانة المنطقة كواحدة من أقدم المراكز التي شهدت نشاطًا بشريًا على مستوى العالم.

تواصل هيئة التراث جهودها في صون ودراسة المواقع الأثرية بالمملكة، بهدف تعزيز المعرفة بالعمق التاريخي والحضاري للمملكة وضمان بقاء هذه الشواهد للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *