صدر النظام المنظم للجامعات، وتلته حزمة من اللوائح والترتيبات التي تستهدف منح المؤسسات الجامعية هامشاً أوسع من الاستقلالية والمرونة في شؤونها الأكاديمية والإدارية والمالية. بيد أن الممارسات الميدانية تكشف تناقضاً لافتاً: فبعض القواعد والإجراءات التنفيذية باتت أكثر تشعباً وتقييداً من النصوص الأصلية التي يفترض أن تنفّذها.
مفارقة بين روح النص وواقع التطبيق
لا يُنكر أن وجود قواعد تنفيذية أمر حيوي؛ إذ تسهم في ضبط العمل وتوزيع المسؤوليات وترسيخ العدالة والشفافية. غير أن الإشكال يبدأ عندما تخرج هذه القواعد عن وظيفتها التنظيمية، وتبدأ في فرض شروط وقيود جديدة تضيّق المساحة التي كانت الأنظمة واللوائح قد أتاحتها، فتنقلب المرونة المقصودة إلى متطلبات داخلية متراكمة.
وهنا يتضح الفارق الجوهري بين الحوكمة والتقييد. فالحوكمة تقوم على تحديد الصلاحيات بوضوح، وترسيخ المساءلة، وإدارة المخاطر، ولا ترتبط بالضرورة بتضخم أعداد الموافقات واللجان والنماذج. فكثرة الإجراءات قد تُقرأ ظاهرياً على أنها ضبط، لكنها عملياً تؤدي إلى تباطؤ القرارات وتراجع روح المبادرة.
الاشتراطات الزائدة وتأثيرها في العدالة والثقة
وتتفاقم المعضلة حين تسفر بعض الاشتراطات — سواء بقصد أو من دون قصد — عن تضييق الفرص، أو إقصاء فئات من المستفيدين، أو فتح الباب أمام تفاوت في تفسير القواعد وتطبيقها. وعندئذ لا يقتصر الأثر على كفاءة الإجراءات، بل يمتد إلى العدالة وتكافؤ الفرص والثقة المؤسسية.
والجامعة بطبيعتها مؤسسة معنية بالمعرفة والابتكار، ولا يمكنها أن تزدهر إلا في بيئة تحفّز على المبادرة وتشجع على تحمل المسؤولية. فحين ينشغل العاملون فيها باستيفاء المتطلبات الشكلية بدلاً من التركيز على النتائج، تتحول الإجراءات إلى عائق أمام التطوير والإبداع.
تشابه القواعد وتجانسها بين الجامعات
كما يستدعي التأمل أن كثيراً من القواعد المتداولة تبدو متشابهة بين الجامعات، على الرغم من تباين تخصصاتها وإمكاناتها ومزاياها التنافسية. فالاستفادة من تجارب الآخرين أمر مرحّب به، لكن الاستنساخ الحرفي قد يحول دون نشوء نماذج مؤسسية تعبّر عن هوية كل جامعة وتلبي أولوياتها الخاصة.
والمطلوب ليس إلغاء القواعد التنفيذية أو التراجع عن الرقابة، بل إعادة النظر في فلسفة صياغتها. فبدلاً من أن تنحصر مهمتها في تنظيم الإجراءات وضبطها، ينبغي أن تسهم في بناء بيئة جامعية جاذبة ومحفزة على التميز والإبداع، وقادرة على اجتذاب أصحاب الكفاءات والاحتفاظ بهم، وداعمة للبناء المؤسسي، ورافعة لكفاءة الأداء، وتمكّن الجامعات من بلوغ مستهدفاتها الإستراتيجية. ويتطلب ذلك أن تظل القواعد منسجمة مع الأنظمة واللوائح، وألا تتضمن اشتراطات إلا بقدر الضرورة وملاءمتها للأهداف، مع مراجعتها دورياً وقياس أثرها والعبء التنظيمي الذي تفرضه.
مسؤولية مجلس شؤون الجامعات
وهنا يبرز دور مجلس شؤون الجامعات في متابعة أثر القواعد والإجراءات التنفيذية، ورصد الاشتراطات غير الضرورية أو المكررة، بما يدعم استقلالية الجامعات ويحقق التوازن بين الحوكمة والمرونة، وبين الضبط والتمكين.
ويبقى السؤال مطروحاً أمام الجامعات وصنّاع القرار: هل صُممت القواعد التنفيذية لتسهيل تطبيق الأنظمة، وبناء بيئة جامعية جاذبة ومحفزة للتميز، وتعزيز الكفاءة وتحقيق المستهدفات، أم أنها تحولت في بعض الحالات إلى قيود أشد من النصوص التي جاءت لتنفيذها؟
فالتميز الجامعي لا يُقاس بحجم القيود المفروضة، بل بالفرص المتاحة، والكفاءات المستقطبة، والنتائج المحققة. فإذا تحولت القواعد التنفيذية من أدوات تمكين وبناء مؤسسي إلى عوائق تكبل المبادرة، فقد نحرص على اكتمال الإجراءات، لكننا في المقابل نخسر الغاية التي وُجدت من أجلها.






