أكد فضيلة الإمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي أن الحج فريضة تتجلى فيها مظاهر التعارف والتآلف والتعاون والتكافل بين أهل الإسلام، حيث يؤدي المناسك على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وبلدانهم، متحالفين كإخوة متحابين، يشهدون منافع لبعضهم البعض ويغذون من هديهم، ويسعون إلى الإحسان في الأفعال والصدق في الأقوال.
موقع الخطبة ومشاركة المسؤولين
جاء ذلك في خطبة عرفة التي ألقاها فضيلته اليوم في مسجد نمرة، وقد شهدت حضور صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة مكة المكرمة ونائب رئيس لجنة الحج المركزية، وسماحة مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء والرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، ومعالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ الدكتور عبد اللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ.
مضمون الخطبة: التوحيد والآخرة
بدأت الخطبة بتمجيد الله تعالى والاعتراف بوحدانيته، ثم استهلت بعبارة: “أما بعد، فيا أيها الناس عليكم بتقوى الله فبها نجاة العبد في آخرته”، مستشهداً بآية من سورة الحج: “يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم”، مشدداً على أن تقوى الله تستلزم الاستعداد ليوم القيامة بالعمل الصالح وترك المعاصي.
ثم تطرق إلى أهمية التوحيد والعبادة الخالصة لله، مستشهدًا بآيات تحذر من الدعاء من دون الله وتدعو إلى الإيمان بأن لا إله إلا الله، وأن شريعة الإسلام تقوم على أركان التوحيد، شهادة لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، مع توصية بالخوف من الله والصدق في القول.
إشارات قرآنية عن مكافأة الصابرين وتأكيد عزم الله
استشهد الإمام بآيات تبين أن الصابرين يُوفى لهم أجرهم بلا حساب، وأن الله يدافع عن المؤمنين ولا يحب الخيانة، وأنه يناصر من ينصره، مشددًا على أن الله قوي عزيز. وذكر كذلك آيات تصف ما يحدث للمدن الظالمة التي هلكت، وإشارة إلى أمر الله لإبراهيم بالنداء إلى الحج لتأتي الناس من كل فج عميق لتشهد لهم منافع وتذكروا اسم الله في أيام معلوماً.
الأداء العملي لمناسك الحج
بيّن الحذيفي أن الحجاج يأتون من كل فج عميق لأداء النسك إرضاءً لله، معبّرين عن تعظيمهم للبيت العتيق والمشاعر المقدسة، مؤكدين أن البيت يُطهر من كل ما لا يليق بمكانته، ولا يشمل الفسوق أو الشعارات السياسية أو النداءات الحزبية، بل يقتصر على خضوع لله واتباع النبي صلى الله عليه وسلم، مع الالتزام بالوفاء بالعهود واحترام الحقوق.
وتجلى في الحج مظاهر التعارف والتآلف والتعاون والتكافل بين المسلمين، حيث يشهدون منافع لبعضهم ويغذون الفقير، ويؤدون الإحسان في الأفعال والصدق في القول، مستندين إلى قول الله: “واجتنِبوا قول الزور”.
في موقف عرفات، أشار إلى أن الله أنزل فيه: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا”، داعيًا إلى الاقتداء بالنبي من خلال صلاة الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ثم الوقوف بذكر الله حتى غربت الشمس، ثم التوجه إلى مزدلفة مستنيرًا بقول الله: “فإذا أفضتم من عرفة فاذكروا الله عند المشعر الحرام”.
بعد ذلك، عندما أتى يوم العيد، توجه الحجاج إلى منى حيث قالوا: “ثم أفِيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم”، فقاموا برمي جمرة العقبة، وذبح الهدي، وحلق رؤوسهم، ثم طافوا بالبيت، متقيدين بالسكينة والرفق والابتعاد عن التدافع، مع الالتزام بتعليمات الجهات المنظمة وتنظيمات التفويج والمسار لضمان المصلحة وتجنب الفوضى.
في منى، استحب الإكثار من ذكر الله، مستشهدًا بآية: “إذا قضيت مناسكُمْ فاذكروا الله كذكركم آباؤكم أو أشد ذكرًا”. وفي أيام التشريق، أشار إلى رمي الجمرات الثلاث كل جمرة بسبع حصيات في كل يوم، مفضلاً البقاء حتى اليوم الثالث عشر، مع جواز التعجيل في اليوم الثاني عشر، مستندًا إلى قوله تعالى: “واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى”.
قبل السفر، تم أداء طواف الوداع مستندًا إلى آية: “هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سمكم المسلمون من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتو الزكاة اعتصموا بالله هو مولاك فنعم المولى ونعم النصير”.
اختتم الإمام بدعاء خاص للمتقين، مؤكدًا أن أفضل دعاء هو دعاء عرفة، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة”، ومذكّرًا بأن قول “لا إله إلا الله وحده لا شريك له” هو خير ما قاله الأنبياء. ودعا الله أن يتقبل دعاء الحجيج، ويسّر أمورهم، ويغفر ذنوبهم، ويعيدهم إلى أوطانهم سالمين غانمين.
كما دعا إلى إصلاح أحوال المسلمين، وجمع كلمتهم على الحق، وتولي شؤونهم، وتحسين أحوالهم الدينية والدنيوية. وختم بالدعاء لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، سائلًا الله أن يجزيهما خيرًا في الدنيا والآخرة، وأن ينصر بهما دينهما.
وختامًا، طلب الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ثم ذكر أن الحجاج أدوا صلاتي الظهر والعصر جمعًا وقصرًا اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.





