كثيرون يعلنون معارضة الإرهاب، حتى أولئك الذين ساهمت أفكارهم في تشكيل بيئته الأولية. ومع ذلك يزداد التحدي عندما ننتقل من التركيز على الإرهاب إلى التركيز على التطرف؛ لأن الإرهاب فعل مرئي بينما التطرف فكرة تختبئ derrière الرأي، أو الغيرة، أو التدين، أو المحافظة الاجتماعية.
جذور التطرف وفق رؤية الأمير
يتمثل أهمية حسم الأمير محمد بن سلمان في رفضه الانتظار حتى يصل التطرف إلى نهايته الدموية، بل يعود إلى جذوره: الأفكار التي تقيد المباح، والخطاب الذي يعادي الحياة، والوصاية التي تسلب حق الاختيار، والولاء الأيديولوجي الذي يتنافس مع الوطن. وبهذا يتحول مكافحة التطرف من ملف أمني يطارد النتائج إلى مشروع فكري واجتماعي يحمي الدين والوطن والعقل.
التطرف تهديد للدين والوطن والعقل
الإرهاب ليس بداية القصة بل خاتمتها الأكثر فظاعة؛ فالعملية التي تسبقه طويلة تبدأ بتصنيف الناس إلى صالحين وفاسدين، ثم تحويل الاختلاف إلى انحراف، والانحراف إلى خصومة، والخصومة إلى إقصاء، قبل أن يظهر من يترجم ذلك كله إلى عنف. وعلى الرغم من أن الفجوة بين الكلمة والرصاصة قد تطول، فإن الرابط الفكري بينهما لا ينفصم، مما يمكّن منتج الخطاب المتطرف من إدانة الإرهابي رغم أن الأخير نقل أفكار المتطرف من اللغة إلى الفعل.
من أهم أفكار الأمير محمد بن سلمان أن التطرف لا يبدأ بحمل السلاح، بل يبدأ بكل طارئ يعتدي على الحياة الطبيعية للإنسان، ويفرض عليه نمطًا لم يأمر به الدين ولم تعرفه السوية المجتمعية. عندما يصبح الفرح موضع ريبة، والفن بابًا للانحراف، والمرأة مصدرًا للفتنة، والعالم الخارجي موطنًا للمؤامرة، والسؤال علامة على ضعف الإيمان، فإننا أمام بنية متطرفة حتى لو لم يحمل حاملوها سلاحًا بعد.
لقد أنشأ خطاب التشدد خصومة مصطنعة بين الدين والحياة، بحيث يبدو الإنسان في منظوره أنه لا يثبت إيمانه إلا بقدر انسحابه من العالم، وتجهمه في وجه مباهجه، وتضييقه على نفسه وعلى غيره. أما في فكر الأمير، فالدين لا يناقض الحياة بل يهذبها ويمنحها المعنى؛ ولا يحارب الفرح والجمال بل يحميهما من الابتذال؛ ولا يعطل الإنسان بل يدفعه إلى العمل والعمران.
بهذا المعنى، أصبحت مكافحة التطرف أولًا حماية للدين؛ لأن أخطر ما يفعله المتطرف ليس تشويه صورة الدين فحسب، بل اختطاف حق الحديث باسمه، وتحويل الفهم البشري إلى قياس إلهي، ثم تقييم إيمان الناس حسب مدى خضوعهم له. لذلك فإن مواجهة التطرف ليست خروجًا على الدين، بل تحريرًا له من سلطة الذين قلصوا سعته إلى آرائهم، ورحمته إلى صرامتهم، ومقاصده إلى قائمة طويلة من المحظورات.
وهي أيضًا حماية للوطن؛ لأن التطرف الديني لا يظل محصورًا في مجال الوعظ، بل يولد ولاءً أيديولوجيًا عابرًا للحدود يتقدم فيه التنظيم أو الجماعة أو الشيخ على الدولة والمجتمع. عندما تصبح الجماعة وطنًا بديلًا وقيادتها مرجعية عليا، تتحول المواطنة إلى رابطة ناقصة داخل مشروع أكبر منها. من هنا يرتبط تفكيك التطرف باستعادة الدولة لمرجعيتها، وإعادة الوطن إلى موقعه الطبيعي في ضمير المواطن—انتماء لا يتناقض مع الدين بل يحافظ على المجتمع والأمن والمصالح.
والوجه الثالث هو حماية العقل؛ فالتطرف لا يريد عقلًا يسأل ويفحص، بل عقلًا يتلقى ويطيع. يبدأ التطرف بتجريم السؤال، ثم يزرع الخوف من المراجعة، وينتهي بتحويل الفرد إلى تابع يخشى التفكير أكثر مما يخشى الخطأ. لهذا لم تكن إصلاحات التعليم، والانفتاح الثقافي، وتمكين المرأة، واستعادة الفنون، وتوسيع فرص الشباب ملفات منفصلة عن مكافحة التطرف؛ بل كانت جميعها تحريرًا لمواضع سبق للفكر المتشدد أن أحكم وصايته عليها.
لم تكن عودة السينما والموسيقى والفنون والفعاليات إلى المجال العام مجرد إضافة ترفيهية، كما لم تكن مشاركة المرأة الكاملة في الحياة العامة إجراءً إداريًا معزولًا؛ بل كان ذلك كله استردادًا لحياة طبيعية جرى تضييقها باسم الدين، مع أن كثيرًا من القيود التي أحاطت بها لم تكن أحكامًا قطعية، بل تصورات بشرية تحولت مع الزمن إلى مقدسات اجتماعية.
ولا يعني هذا أن كل محافظة تطرف، أو أن كل جديد فضيلة؛ فالمحافظة الواعية تحافظ على القيمة وتسمح للحركة بالحياة، بينما يحول المتطرف اجتهاده الخاص إلى إلزام عام، وينقل خياراته الشخصية إلى سلطة تراقب المجتمع وتحاكمه. والرأي يظل رأيًا ما دام صاحبه يعيش به، لكنه يصبح مشروع تطرف عندما يسعى إلى فرضه على الآخرين، أو ينزع الشرعية الدينية والأخلاقية عن مخالفيه، أو يحرض عليهم.
لقد أدرك الأمير محمد بن سلمان أن اقتصادًا حديثًا، ومجتمعًا مبدعًا، ودولةً تنافس عالميًا لا يمكن أن يبنى بعقل يخاف الجديد، أو يرى العالم مؤامرة، أو يصنف الناس قبل أن يعرفهم؛ ولذلك لم تكن مكافحة التطرف هامشًا في مشروعه، بل شرطًا من شروط بناء السعودية الجديدة.
لقد حمى الأمن المجتمع من الإرهابي، أما فكر الأمير فذهب إلى ما هو أبعد: حماية الدين والوطن والعقل من الفكرة التي تصنع هذا الإرهابي؛ فالإرهاب يقتل الإنسان مرة، بينما يظل التطرف، ما لم يُهزم، يقتل في الإنسان كل يوم قدرته على الحياة.





