بعد استعادة كيدال.. هل يتحول الصراع في مالي من الميدان إلى طاولة الحوار؟

شارك
بعد استعادة كيدال.. هل يتحول الصراع في مالي من الميدان إلى طاولة الحوار؟

تونس/ عادل الثابتي/ الأناضول

في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أعلن الجيش المالي دخوله مدينة كيدال الاستراتيجية الواقعة شمالي البلاد، وذلك بعد أن أعلنت جبهة تحرير أزواد انسحابها منها، التي كانت تسيطر عليها منذ نحو ستة أشهر. هذا التطور أثار تساؤلات حول ما إذا كان يمهد لعودة المسار التفاوضي أم يعكس إعادة تموضع استعداداً لجولة جديدة من القتال.

خبراء: العاصمة آمنة لكن الحرب لم تنته

خبير في الشأن المالي يقيم في باماكو، فضل عدم كشف هويته لأسباب أمنية، قال للأناضول: “باماكو أصبحت آمنة الآن ومستقرة، وخطوط الإمداد عادت تعمل في وضع طبيعي”. وأضاف أن “أحداث الشمال في كيدال وغيرها لا تأثير لها في الوضع الحالي، رغم أن الجيش يتكبد خسائر كبيرة”. وأكد أن “الاتفاق مع الجزائر كان له تأثير في استقرار العاصمة وحصر المعارك في الشمال”. ويرجح الخبير أن تكون هناك “أجندة سياسية متفق عليها تقضي بإجراء انتخابات وتسليم السلطة لجهة منتخبة”. كما يرجح أن يكون “تراجع أزواد من كيدال متفقاً عليه من خلال العودة إلى خطوط تماس قديمة”، مستدلاً على ذلك بخروج جبهة تحرير أزواد “دون قتال”.

جبهة أزواد: انسحاب منظم وليس هزيمة

من جانبه، قال الناطق باسم جبهة تحرير أزواد محمد المولود رمضان في اتصال مع الأناضول: “انسحابنا من كيدال محكم ومنظم ومجرد عملية استراتيجية”. وأضاف: “لدينا استراتيجية بإخلاء كيدال والنظر في أمور أخرى، فالانسحاب متعلق بأمور عسكرية بحتة”. واعتبر أن “مستقبل دولة مالي مشروط بإيجاد حلول عادلة للقضية الأزوادية، وعدم الاستقرار سيستمر ما لم توجد حلول تلبي تطلعات الشعب الأزوادي”. ومضى قائلاً: “نحن في حرب والمعارك ستستمر”. وشدد على ضرورة إيجاد حلول للقضية، “خاصة سياسية تتعلق بحق الشعب الأزوادي في تقرير المصير”.

آفاق التفاوض والتحديات المقبلة

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر عمار سيغة، قال في حديث للأناضول إن “ما تشهده أزمة مالي من تطورات بعد عودة جبهة تحرير أزواد إلى خطوط التماس القديمة يطرح عدة تساؤلات وتفسيرات”. وأوضح أن أبرز تلك التساؤلات يتعلق “بالحل السياسي الذي يمكن اعتباره قريباً من خلال التطورات الميدانية التي أثبتت أن التكلفة باهظة للمقاربة العسكرية”، مشيراً إلى الخسائر البشرية. وأضاف سيغة: “المقاربة العسكرية أصبحت على المحك، بالإضافة إلى وجود ضغوط إقليمية ودولية من خلال لعب الجزائر دوراً مهماً في رعاية اتفاق السلم والمصالحة”. ولفت إلى أن الاتفاق جاء ضمن مسار رعته الجزائر لإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، وتغليب مقاربة الأمن والاستقرار في منطقة الساحل من خلال الحوار السياسي واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. وتابع: “هناك تطورات أخرى من خلال دخول الأزمة مرحلة مفصلية، وبوادر الانفراج السياسي باتت أكثر طرحاً”. وأشار إلى معطى آخر يتمثل في “عودة التفاوض لإيجاد مخارج سياسية، باعتبار أن جبهة تحرير أزواد ما زالت تتمسك بمطالبها المتعلقة بالتنمية وإنشاء مشاريع اقتصادية من شأنها تخفيف الفقر وتحسين الظروف الاجتماعية”. ووفق سيغة، فإن “السيناريوهات مفتوحة لكل الاحتمالات، والعودة للعمل المسلح واردة إذا فشل أي تفعيل جديد لاتفاق الجزائر 2015”. ونبه إلى أن الطرفين، جبهة تحرير أزواد والجيش المالي، قد يستغلان الهدوء “لتنظيم الصفوف وتأمين خطوط الإمداد في العمق الصحراوي، تحسباً لأي سيناريوهات محتملة”.

يُذكر أنه في عام 2015، تم التوقيع على “اتفاق السلم والمصالحة في مالي” بوساطة رئيسية من الجزائر بين الحكومة المالية وجماعات مسلحة شمالي البلاد. وتضمن الاتفاق ترتيبات لدمج مقاتلين سابقين في مؤسسات الدولة ومعالجة قضايا سياسية وأمنية وتنموية في شمال مالي. وفي يناير/ كانون الثاني 2024، أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي “إنهاء” الاتفاق “بأثر فوري”.

ويرى سيغة أن “انسحاب القوات الأزوادية من كيدال يفتح فرصاً حقيقية قد تساهم في إحياء المسار التفاوضي وتغليب المقاربة السياسية، وهو ما قد يحول الملف من نبرة عسكرية تصادمية إلى منطق التوافق الشامل والحوار”. وأضاف: “الانسحاب يؤكد أن القيادة الأزوادية لا تزال تحافظ على المرونة اللازمة التي تمكن من تجسيد تطلعات القبائل والمكون الاجتماعي للمنطقة بما يكفل الوحدة والاستقرار في مالي”.

بعد كيدال: ماذا بعد؟

بدوره، اعتبر الباحث الموريتاني في شؤون دول الساحل والصحراء محمدن أيب أيب، أن “انسحاب جبهة تحرير أزواد سيفتح أمامها علاقات جديدة وآفاقاً عسكرية وأمنية جديدة في حوض نهر النيجر وبحيرة تشاد وإقليم أزواد”. وأشار أيب للأناضول إلى أن “دخول جيش مالي إلى كيدال جاء بعد التقارب الجزائري المالي”. لكنه يرى أن دخول المدينة “لا يعني نهاية الحرب، لأنه أمام حيز جغرافي يمتد إلى حدود الجزائر ومنطقة تودن (نحو 1200 كيلومتر شمال باماكو)، وهي صحراء واسعة قاحلة لا أثر فيها للوجود المالي”. وأوضح الباحث الموريتاني أن “الانسحاب جاء بسبب الغطاء الجوي الذي وفره الروس للجيش المالي”. ويتوقع أنه “لن يكون هناك استقرار إلا بغلبة السلاح أو العودة إلى المفاوضات بين جبهة تحرير أزواد ومالي”. ولفت إلى أن “جبهة تحرير أزواد انسحبت ودخل الجيش دون قتال، إلا أن الحديث عن استقرار في مالي بعيد المنال الآن”.

وتطلق تسمية “أزواد” على منطقة جغرافية واسعة في شمال مالي تضم مكونات سكانية وإثنية متعددة، منها الطوارق والعرب والفولاني والسونغاي، ويعد الطوارق من أبرز مكوناتها، ويتميزون بثقافتهم الأمازيغية ولغتهم التماشقية. وتبلغ مساحة أزواد نحو 822 ألف كيلومتر مربع من إجمالي مساحة مالي البالغة نحو 1.24 مليون كيلومتر مربع، وتمتد شمالي البلاد بمحاذاة الحدود مع الجزائر وموريتانيا والنيجر.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *