تحليل مرزوق بن تنباك لتفسير صعود الحضارة الغربية وتحدياته

24/06/2026 07:01

أشار الباحث مرزوق بن تنباك في إحدى تغريداته إلى الدور الذي لعبه الفيلسوف رينيه ديكارت في تحرير الفكر الأوروبي، معبراً عن ذلك بالقول: «وبهذا انقضى الحصار الذي فرضته الكنيسة على عقول الأوروبيين، فأطلقوا مسار التفكير في القوانين الطبيعية وما يتجاوزها. ومنذ ذلك الحين انطلقت أوروبا ومحيطها بسلسلة من الاكتشافات والاختراعات التي لا تزال تؤثر على حياة البشر حتى يومنا هذا، وصولاً إلى أحدث ما وصل إليه الإنسان من ابتكارات مثل الذكاء الاصطناعي».

السردية الخطية للإنجازات الغربية

تُعَدّ الفكرة التي طرحها بن تنباك قراءة شائعة ومتداولة في مؤلفات الفلسفة الأوروبية، سواء العربية أو الغربية. وتستند إلى تصور مبسط يربط بين تحرير العقل من قيود الكنيسة، وظهور ديكارت كمنقذ فريد، ثم انطلاق سلسلة من الاكتشافات التقنية والعلمية، وصولاً إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي. يصف هذا النموذج التاريخي التطور كخط مستقيم يبدأ من القمع الديني وينتهي بتقنية المستقبل.

انتقادات لتبسيط التاريخ

تُعَدّ هذه الصياغة مشكلة لعدة أسباب. أولاً، تختزل مسار تاريخي معقّد يتضمن عوامل متعددة في مخطط واحد خطي يبدو حتمياً. ثانياً، يقدّم الباحث مرزوق بن تنباك، وهو شخصية معروفة في الأوساط الأكاديمية، تفسيراً قد يفتقر إلى العمق المطلوب عند تناول قضايا التقدّم الحضاري المتشابكة. إن تقديم التاريخ على أنه مسار بطلٍ واحد يُسهل الفهم لكنه يبعد عن الواقع التاريخي المتعدد الأبعاد.

وجهات نظر الباحثين الغربيين حول صعود أوروبا

يُظهر عدد كبير من المؤرخين الغربيين أن ظاهرة “تقدم الغرب” لا تزال لغزاً معقّداً، ولا يوجد توافق واضح بين المتخصصين في التاريخ أو العلوم الاجتماعية حول أسباب تفوق أوروبا الحديثة. يوضح أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، نيال فرجسون، أن صعود القارة الأوروبية يُعَدّ أبرز الظواهر التاريخية في النصف الثاني من الألفية الثانية بعد الميلاد، وأشار إلى أنه يمثل أحد أهم الألغاز التي يواجهها المؤرخون اليوم. ما يبرز من تصريح فرجسون هو أن العلماء يظلّون منقسمين حول تفسير هذه الظاهرة، ولا يمكن اختزالها في صورة بطلٍ واحد أو معلمٍ توجيهي.

إعادة تقييم شخصية ديكارت

تُظهر تغريدة بن تنباك أيضاً تصوراً نمطياً لديكارت كرمزٍ للعقلانية المتقنة وبداية التنوير الأوروبي. يُعزى إلى ديكارت ما يعرف بـ”منهج الشك”، وهو نهج يُفترض فيه أن الحواس قد تكون مضلّلة بسبب تأثيرات خفية، ما يدفع الفيلسوف إلى التشكيك في كل ما يُستقبل عبر الإدراك الحسي. يطرح ديكارت فكرة وجود عالمين منفصلين: عالم الفكر الصافي وعالم الحواس المشتبه فيه. من خلال هذا الإطار، وصل إلى القول الشهير: “أنا أشك إذن أنا موجود” أو “أنا أفكر إذن أنا موجود”. ومع ذلك، يُلاحظ أن هذا المفهوم لا يُستند إلى نقيّة عقلية بحتة، بل يتضمن عناصر أسطورية تتعلق بوجود قوى خبيثة تُقلب حواس الإنسان.

وبالتالي، فإن تصوير ديكارت في الخطاب العربي كمنقذٍ للعقل من أساطير قديمّة لا يتماشى مع الواقع التاريخي للقرن السابع عشر، حيث تداخلت الاعتقادات الدينية والفلسفية مع التجارب العلمية. إن الاعتماد على هذا النموذج التبسيطي قد يُفضِّي إلى استنتاجات غير دقيقة لا تُعكس تعقيدات التطور الفكري والعلمي لتلك الفترة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *