تزايد توتر المجال الجوي في دول البلطيق بسبب الطائرات المسيّرة الأوكرانية

23/05/2026 07:00

خلال الأشهر الأخيرة، اصطدمت طائرات مسيّرة مملوكة لأوكرانيا بمدخنة محطة لتوليد الطاقة في إستونيا، كما أصابت خزانات وقود فارغة في لاتفيا، وتم إسقاطها لاحقاً بواسطة مقاتلات رومانية متمركزة في ليتوانيا.

في حادثة غير مسبوقة عاصمة تدعمها حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، شهدت العاصمة الليتوانية فيلنيوس ليتوانيين يلتجئون إلى مواقف سيارات تحت الأرض يوم الأربعاء، عقب تحذير السلطات من نشاط لطائرات مسيّرة لا يمكن التعرف على هويتها، وفقاً لوكالة أسوشييتد برس.

لم تُسجل أي حالات وفاة أو إصابات في تلك الحوادث، غير أن تكرار انتهاكات المجال الجوي دفع بعض وزراء دول البلطيق إلى توجيه انتقادات إلى كييف بسبب ما وصفوه بـ “الخروقات”. وفي لاتفيا، أدّى أسلوب التعامل مع الطائرات الشاردة إلى أزمة سياسية أسفرت عن سقوط الحكومة في أوائل هذا الشهر.

تصعيد أوكرانيا على موانئ بحر البلطيق

قامت أوكرانيا بتكثيف هجماتها على موانئ بحر البلطيق التي تُستَخدم لتصدير الطاقة الروسية، ساعية إلى استنزاف الموارد المالية التي تموّل الجهود الحربية لموسكو. يأتي ذلك في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط نتيجة للتصعيد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيران، وهو ما يُعد مصدر دخل رئيسي للكرملين.

مع تقدم الطائرات المسيّرة الأوكرانية شمالاً، اقتربت من حدود دول الناتو الثلاث: لاتفيا، ليتوانيا، وإستونيا، بالإضافة إلى فنلندا. ولم تُكتشف بعض هذه الطائرات إلا بعد سقوطها على أراضي دول البلطيق.

قدمت السلطات الأوكرانية اعتذاراً، مشيرة إلى أن الطائرات كانت موجهة نحو أهداف عسكرية داخل روسيا، لكن تشوّشاً إلكترونياً روسياً أدّى إلى انحراف مسارها.

الضربات على موانئ روسيا في بحر البلطيق

تركّز الهجمات الأوكرانية المتصاعدة على منشآت صناعية وعسكرية في روسيا، لا سيما الموانئ الواقعة على بحر البلطيق ومنشآت الطاقة. وقد تركزت عمليات الضرب على ميناءي أوست‑لوغا وبريمورسك القريبين من حدود إستونيا وفنلندا، حيث تستخدمهما روسيا لتحميل السفن التي تنقل صادراتها النفطية.

في إحدى الغارات التي وقعت في مايو، اندلع حريق في جزء من ميناء بريمورسك بعد إسقاط أكثر من ستين طائرة مسيّرة أوكرانية، بحسب ما أفاد به حاكم منطقة لينينغراد ألكسندر دروزدينكو.

بعد اختراق طائرات مسيّرة المجال الجوي اللاتفي في 7 مايو، استقال وزير الدفاع أندريس سبروتس، ما دفع رئيسة الوزراء إيفيكا سيلينا إلى الاستقالة بعد أيام نتيجة فقدانها الأغلبية داخل الائتلاف الحكومي.

في 19 مايو، أسقطت مقاتلة رومانية متمركزة في ليتوانيا طائرة مسيّرة أوكرانية فوق جنوب إستونيا. وأوضح وزير الدفاع الإستوني هانو بيفكور أن الطائرة كانت على الأرجح متجهة إلى أهداف داخل روسيا، وطالب أوكرانيا بإبعاد طائراتها المسيّرة قدر الإمكان عن أراضي حلف الناتو.

ردود فعل الناتو ودور التشويش الإلكتروني الروسي

في مساء الأربعاء، رافقت طائرات مقاتلة تابعة للناتو طائرة مسيّرة مجهولة الهوية اخترقت المجال الجوي الليتواني، ما دفع السلطات إلى إطلاق إنذار أحمر دعا المواطنين إلى الاحتماء في محيط العاصمة فيلنيوس، بحسب ما صرّح به وزير الدفاع الليتواني.

أفادت الوزارة بأن التواصل مع الطائرة فقد لاحقاً، وأن القوات العسكرية ما زالت تبحث عنها.

منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كثفت دول الشمال الأوروبي والبلطيق تحذيرها من عمليات التشويش الإلكتروني الروسي التي تعطل أنظمة الاتصالات الخاصة بالطائرات، السفن، والطائرات المسيّرة. وتستعمل روسيا في منطقة البلطيق تقنيات التشويش والخداع لإبعاد الطائرات المسيّرة عن مساراتها الأصلية.

وأوضح وزير الخارجية الليتواني كيستوتيس بودريس أن روسيا “تعمد” إعادة توجيه الطائرات المسيّرة الأوكرانية نحو أجواء دول البلطيق عبر وسائل التشويش الإلكتروني.

تاريخ الاختراقات وتطور الدفاعات الجوية

في سبتمبر 2025، دخل نحو عشرين طائرة مسيّرة روسية إلى الأجواء البولندية، ما أبرز ثغرات في دفاعات الناتو الجوية، حين تم إرسال طائرات مقاتلة بملايين الدولارات للتعامل مع تلك الاختراقات. وفي ذلك الوقت، أشار وزير الدفاع الإستوني إلى أن تلك الطائرات لم تُكتشف مسبقاً.

كما لم تُكتشف طائرة مسيّرة عسكرية أوكرانية تحطمت حاملة متفجرات في ليتوانيا الأسبوع الماضي، وفقاً لتصريحات فيلمانتاس فيتكاوسكاس، مدير المركز الوطني الليتواني لإدارة الأزمات.

ردت بولندا ورومانيا العام الماضي على حوادث اختراق المجال الجوي بنشر تقنيات مضادة للطائرات المسيّرة، تُعد الأولى من نوعها داخل الناتو، إلا أن هذه الأنظمة لم تُوزع بعد على كامل منطقة البلطيق.

وصف العقيد يانو مارك من قوات الدفاع الإستونية أن التصدي للطائرات المسيّرة يتطلب معالجة مجموعة معقدة من التحديات التقنية والمالية والبيروقراطية، مشيراً إلى أنه “لا يوجد حل واحد يناسب جميع أنواع الطائرات المسيّرة”. وأضاف خلال مناورات عسكرية في جنوب شرق إستونيا أن التعامل مع أنواع مختلفة من الطائرات المسيّرة التي تعمل بسرعات وارتفاعات متفاوتة يستلزم بنية دفاعية جوية متعددة الطبقات.

في مقابلة مع أسوشييتد برس، صرّح بودريس أن دول البلطيق قد تضطر إلى الاستمرار في التعامل مع اختراقات الطائرات المسيّرة الأوكرانية، بعد أن اكتسبت كييف القدرة على ضرب أهداف “عميقة داخل روسيا” وكذلك موانئ بحر البلطيق. وأكد أن أفضل وسيلة لمواجهة هذه الطائرات هي الاستفادة من الخبرة الأوكرانية نفسها، نظراً لأن أكثر الأنظمة فاعلية لمكافحة الطائرات المسيّرة تم تطويرها في أوكرانيا.

الردود الدبلوماسية ونفي الاتهامات الروسية

أصدر رؤساء لاتفيا وليتوانيا وإستونيا بياناً مشتركاً نفوا فيه “الاتهامات الروسية التي لا أساس لها”، بعدما ادعت هيئة الاستخبارات الخارجية الروسية أن أوكرانيا تستعد لتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة ضد روسيا انطلاقاً من أراضي دول البلطيق.

زعمّت الهيئة أن عناصر عسكرية أوكرانية انتشرت بالفعل في لاتفيا، محذرةً من أن عضوية البلاد في الناتو لن تحمِها من “العقاب العادل”، غير أنها لم تقدم أي دليل يدعم هذه الادعاءات.

وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأوكرانية خيوريي تيخيي أن أي دولة من دول البلطيق أو فنلندا لم تسمح لأوكرانيا باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ ضربات ضد روسيا.

كتب بودريس على منصة “إكس” أن مزاعم الاستخبارات الروسية تمثل “عملاً يائساً وواضحاً”، محاولةً لنشر الفوضى وتحويل الانتباه عن “حقيقة بسيطة” وهي أن أوكرانيا توجه ضربات مؤلمة للآلة العسكرية الروسية.

وأشاد الأمين العام لحلف الناتو مارك روتّه برد فعل الحلف على حوادث الطائرات المسيّرة، معتبرًا إياه “هادئاً، حاسماً، ومتوازناً”. وعلق روتّه قائلاً: “هذا بالضبط ما خططنا له واستعددنا من أجله”، محمّلاً الحرب الروسية على أوكرانيا مسؤولية هذه الاختراقات الجوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *