إغلاق مضيق هرمز يفضح ضعف القدرة الأمريكية على إزالة الألغام ويجبر واشنطن على الاعتماد على حلف الناتو

22/05/2026 07:00

أثار إغلاق إيران مضيق “هرمز” مخاوف متزايدة بشأن أمن الملاحة العالمية وقدرة القوى الكبرى على التعامل مع تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة. وعلى الرغم من امتلاك الولايات المتحدة أقوى أسطول بحري في العالم، فإن الأزمة الحالية كشفت عن أن البحرية الأميركية لا تستطيع بمفردها إعادة فتح المضيق، خاصةً في ظل انتشار ألغام بحرية إيرانية متطورة وصعوبة عمليات تطهيرها.

اعتماد واشنطن على حلفائها الأوروبيين

ووفق ما نقلته صحيفة “تلغراف”، قد تجد الإدارة الأميركية نفسها مضطرة إلى الاعتماد على قدرات حلفائها الأوروبيين في حلف الناتو في مجال مكافحة الألغام البحرية، في مفارقة لافتة بعد سنوات من الانتقادات الأميركية المتكررة للقدرات الدفاعية الأوروبية.

المحنة التي تواجهها إيران بعد الضربة الأمريكية الإسرائيلية

بعد نحو أسبوعين من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على طهران في 28 فبراير (شباط)، زرعت إيران ألغامًا بحرية قاتلة من طرازات “مهام” و”صدف” و”MDM” و”EM-52″ في قاع المضيق، لتبقى كامنة تحت أكثر الممرات المائية استراتيجية في العالم.

وبينما يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الآن معضلة معقدة، وفق “تلغراف”، فقد استثمرت بحريات أوروبية أصغر حجمًا من الأسطول الأميركي على مدى عقود في تطوير قدرات متخصصة في حرب الألغام، في وقت سمحت فيه الولايات المتحدة لهذه القدرات بالتراجع منذ نهاية الحرب الباردة.

ومع تصاعد الضغوط على واشنطن لإعادة تدفق الطاقة العالمية، قد يجد ترمب نفسه مضطرًا للاعتماد على حلفائه في الناتو، الذين يمتلكون خبرة متقدمة في اصطياد الألغام البحرية، على الرغم من أن إدارته دأبت على السخرية من هذه البحريات.

تقديرات البنتاغون لعملية التطهير

لم تكشف الولايات المتحدة علنًا عن عدد الألغام التي زرعتها إيران أو أنواعها أو مدى انتشارها داخل “هرمز”. إلا أن مسؤولين في البنتاغون قدّروا، خلال إحاطة خاصة للكونغرس، أن إزالة الألغام الإيرانية بالكامل من المضيق قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر.

ويُعد تطهير الألغام البحرية عملية شديدة التعقيد والبطء. وقال كيفن آير، القبطان المتقاعد في البحرية الأميركية ومدير التدريب في قيادة مكافحة الألغام والحرب المضادة للغواصات، لصحيفة “تلغراف”: “عليك تطهير نحو 200 ميل مربع. إنها مساحة بحرية هائلة يجب تنظيفها”.

المفارقة الإسرائيلية والانتقادات الأمريكية

تظهر المفارقة محرجة للرئيس الأميركي، إذ انتقد ترمب مرارًا حلفاء الناتو لاعتمادهم المفرط على القوة العسكرية الأميركية وسخر من قدراتهم البحرية. وقد وُصف حاملات الطائرات البريطانية في أبريل بأنها “ألعاب”، واعتُبرت السفن الحربية البريطانية “قديمة” بعد رفض الحلفاء إرسال قطع بحرية إلى المضيق.

كما اتهم وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث الحلفاء الأوروبيين بأنهم “متطفلون” وسخر من الجهود البريطانية والفرنسية لتشكيل تحالف دولي لإعادة فتح المضيق.

الاعتماد المتزايد على الدعم الأوروبي

بات واضحًا بشكل متزايد أن واشنطن تحتاج إلى الاعتماد بشكل كبير على هذه المساعدات لإعادة فتح الممر البحري. وفي هذه الأثناء، تم نشر سفنتي اصطياد الألغام الأمريكيتين “USS Pioneer” و”USS Chief” من منطقة المحيط الهادئ الغربي، وهما من فئة “أفينغر”، وسط تقارير عن توجههما ببطء عبر المحيط الهندي نحو “هرمز”.

وقال ستيفن ويلز، المهندس السابق على متن السفينة “USS Patriot” والمحلل البحري في مركز الاستراتيجية البحرية لـ”تلغراف”، إن السفينتين ستحتاجان على الأرجح إلى صيانة مكثفة ودعم كبير من سفن الناتو والطائرات المسيّرة تحت الماء.

القدرات الأمريكية الجديدة غير المجربة

تعمل الولايات المتحدة حاليًا على استبدال أسطولها القديم من سفن مكافحة الألغام من فئة “أفينغر” بسفن قتالية ساحلية أحدث مزودة بأنظمة غير مأهولة قادرة على اكتشاف الألغام وتحييدها عن بُعد. إلا أن هذه الأنظمة الجديدة لم تُختبر بعد في ظروف حقيقية، ولا في ساحة القتال.

وقال مسؤول حليف مطلع على قدرات الناتو في حرب الألغام لـ”تلغراف”: “طوّرت الولايات المتحدة بالفعل قدراتها في مكافحة الألغام، لكنها لا تزال قدرات ناشئة جدًا”. وأضاف أن أوروبا تمتلك حاليًا خبرات تشغيلية أكثر نضجًا وقدرات أقوى، خاصةً بحريات دول البلطيق وبحر الشمال، موضحًا أن “الأوروبيين يمتلكون الحصة الأكبر من هذه القدرات داخل الحلف”.

تراجع القدرات الأمريكية في حرب الألغام

على مدى عقود، ركّزت الولايات المتحدة إنفاقها العسكري على الغواصات النووية والطيران البحري والمدمرات المزودة بنظام “إيجيس”، بينما تراجعت قدراتها المتخصصة في حرب الألغام تدريجيًا. أما سفن “أفينغر” الأميركية، التي صُممت بهياكل خشبية لتقليل البصمة المغناطيسية، فقد دخلت الخدمة في أواخر الثمانينات والتسعينات، وتم إحالت معظمها إلى التقاعد أو تفكيكها للاستفادة من قطعها أو تجهيزها للخردة.

وبالمقابل، استمرت دول أوروبية مطلة على بحر البلطيق وبحر الشمال، مثل بريطانيا وألمانيا وفنلندا وهولندا، في الاستثمار في سفن اصطياد الألغام المتخصصة، معتبرةً النشاط البحري الروسي وخطر الحروب في المياه الضيقة تهديدًا استراتيجيًا دائمًا.

وقال القبطان آير: “كان هناك اتفاق ضمني داخل الناتو منذ فترة طويلة على أن الحلف سيتولى توفير قدرات مكافحة الألغام في حال وقوع كارثة من هذا النوع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *